الدراما في رمضان 2026: سباق بلا بطل… والجمهور هو الحكم

حسن شرف الدين
يدخل موسم دراما رمضان 2026 كأحد أكثر المواسم ازدحامًا وتعقيدًا في السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب كثافة الإنتاج أو وفرة النجوم، بل بسبب التحوّل العميق في شكل المنافسة، التي لم تعد محصورة بين قنوات فضائية، بل امتدت إلى منصات رقمية باتت شريكًا أساسيًا في صناعة القرار الدرامي، وفي إعادة تعريف النجاح نفسه.
هذا الموسم لا يَعِد فقط بالتسلية، بل يضع الصناعة العربية أمام اختبار صريح: هل تستطيع الدراما أن تحوّل هذا الزخم إلى قيمة فنية حقيقية؟ أم أننا أمام سباق استهلاكي سريع، تُحسم نتائجه بالضجيج أكثر مما تُحسم بالجودة؟
أولًا: الدراما المصرية… نجومية مضمونة وأسئلة مؤجلة
تدخل الدراما المصرية موسم رمضان 2026 وهي في موقع “اللاعب الأكبر”، من حيث الحضور الكثيف، وتنوّع الأنواع، وضخامة الإنتاج.
غير أن هذا التفوق العددي يرافقه سؤال نقدي جوهري: هل تقدّم هذه الأعمال جديدًا على مستوى الرؤية، أم تكتفي بإعادة تدوير وصفات أثبتت نجاحها سابقًا؟
مسلسلات الثلاثين حلقة… الرهان التقليدي مستمر رغم تمدّد الأعمال القصيرة، لا تزال المسلسلات ذات الثلاثين حلقة تحتفظ بثقلها داخل الخريطة المصرية، مدفوعة بالنجومية وبالقصص الممتدة.
من أبرز هذه الأعمال:
«إفراج»، إخراج أحمد خالد موسى وبطولة عمرو سعد وتارا عماد، عمل اجتماعي إنساني مشحون بالصراع، تراهن عليه شاشة MBC مصر ومنصة شاهد بوصفه أحد أعمدة الموسم.
«الكينج» لمحمد إمام، من تأليف محمد صلاح العزب وإخراج شيرين عادل، في استكمال مباشر لخط الأكشن الشعبي الذي اعتاد عليه جمهوره.
«رجال الظل: عملية رأس الأفعى»، بطولة أمير كرارة وشريف منير، عمل أمني يعتمد الإيقاع السريع والملفات السرية.
«المداح: أسطورة النهاية»، استمرار لسلسلة جماهيرية أثبتت قدرتها على البقاء، معتمدة على المزج بين الدراما والروحانيات.
«فن الحرب» ليوسف الشريف، تجربة تمزج الأكشن بالبعد النفسي والسياسي.
«وننسى اللي كان» لياسمين عبد العزيز وكريم فهمي، في عودة إلى الدراما الرومانسية الثقيلة.
هذه الأعمال، رغم قوتها الإنتاجية، تبدو في معظمها امتدادًا لخطوط مألوفة، ما يجعل الرهان الحقيقي على التنفيذ لا على الفكرة.
مسلسلات الـ15 حلقة… محاولة كسر الإيقاع البطيء
في المقابل، تسجّل الدراما المصرية حضورًا لافتًا للأعمال القصيرة، التي باتت تشكّل المساحة الأكثر حيوية وتجريبًا:
«صحاب الأرض» لمنة شلبي وإياد نصار
«اتنين غيرنا» لآسر ياسين ودينا الشربيني
«المتر سمير» لكريم محمود عبد العزيز وناهد السباعي
«مناعة» لهند صبري
«حكاية نرجس» لريهام عبد الغفور
«الست موناليزا» لمي عمر وسوسن بدر
إلى جانب أعمال أخرى مثل:
«عين سحرية»، «اسأل روحك»، «سوا سوا»، «فرصة أخيرة»، «المصيدة»، وأعمال اجتماعية وكوميدية متنوّعة.
هذه المساحة القصيرة تبدو أكثر قدرة على التقاط تحوّلات الذائقة، لكنها في الوقت نفسه لا تخلو من خطر الاستسهال والاعتماد على “الفكرة السريعة” بدل البناء العميق.
ثانيًا: الدراما السورية والمشتركة… عودة ثقيلة تحت المجهر
في الجهة المقابلة، تحضر الدراما السورية – إلى جانب الأعمال المشتركة – بوصفها مشروع “استعادة مكانة”. حضور كثيف، تنوّع في الأشكال، ومحاولة واضحة للخروج من عباءة التكرار، لكن مع تحديات لا يمكن تجاهلها.
البيئة الدمشقية… بين العمق والاجترار
«الحريقة» يقدّم سوق دمشق الشهير كمساحة للصراع الطبقي والتجاري، بنص لعثمان جحي ومؤيد النابلسي، وإخراج أحمد إبراهيم أحمد، مع ترشيح غسان مسعود لدور محوري.
العمل غني دلاليًا، لكنه يواجه تحدي تقديم البيئة بوصفها فكرة حيّة، لا مجرد ديكور مألوف.
«النويلاتي»، من إنتاج غولدن لاين، يشتغل على مهنة دمشقية قديمة وصراعات الزعامة، مع إسقاطات سياسية غير مباشرة.
الرهان على النجومية
«مولانا»، أول لقاء بين تيم حسن ونور علي، بإخراج سامر البرقاوي، يبدو رهانًا محسوبًا على النجومية والشراكة الناجحة أكثر من كونه مغامرة فنية.
«عيلة الملك»، ببطولة جماعية، يحاول الاشتباك مع السلطة غير المرئية عبر حكاية اجتماعية سياسية، في نص تشرف عليه ورشة كتابة، وهو ما يمنحه غنى، لكنه يعرّضه لخطر التشتت.
التاريخ والتجارب الخاصة
«حاتم الطائي»، عمل تاريخي ضخم بطولة سلوم حداد، يعيد طرح سؤال الدراما التاريخية بين القيمة المعرفية والفخامة الشكلية.
«الميلئية»، المستند إلى أسطورة شعبية، يحاول تحويل الحكاية إلى لغة بصرية.
«لا مكان لا زمان»، بثلاثيات درامية مستقلة، يقدّم تنوّعًا سرديًا نادرًا.
التحضير لجزء ثانٍ من «يا أنا يا هي»، مقابل تأجيل «المماليك» لضمان جودة أعلى.
سواء في الدراما المصرية أو السورية والمشتركة ، تفرض المنصات الرقمية إيقاعها الخاص، فتفتح باب الجرأة من جهة، لكنها ترفع منسوب الاستهلاك والنسيان السريع من جهة أخرى.
رمضان 2026 ليس موسمًا عاديًا، بل موسم اختبارات.
اختبار للدراما المصرية في قدرتها على كسر القوالب واختبار للدراما السورية في قدرتها على تحويل العودة إلى مشروع متماسك، واختبار للصناعة العربية ككل في زمن المنصات.
الزخم موجود، الأسماء حاضرة، الإنتاج وفير…
لكن السؤال الحقيقي يبقى، أيّ من هذه الأعمال سيبقى في الذاكرة بعد انقضاء الشهر؟!
هنا فقط، يبدأ الحكم الحقيقي… وهنا فقط، يكون الجمهور صاحب الكلمة الأخيرة.



