جو قديح خطيرٌ فعلاً!
فارس نون
(خاص موقع أضواء المدينة)
يمارس جو مهارته التي أتقنها إبان عمله “منفرداً” في مسرحياته السابقة، فيبدو أحياناً سيد الخشبة نجماً وحيداً، لكنه بنفس الوقت “لاعب فريق” لذلك قلّما شهدناه محاولاً خطف الأضواء من أحد.
يعود المسرحي اللبناني جو قديح إلى المسرح الجماعي من جديد. سيد المسرح الفردي(قدم أكثر من خمس مسرحيات بشكلٍ فردي سابقاً) يعود للغوص في تجربة المسرح الكلاسيكي الذي “لبننه” كي يخرج بالصيغة التي يحب. تأتي مسرحية “علاقات خطرة “Les Liaisons dangereuses”، مأخوذة عن رائعة الكاتب الفرنسي بيار دو لاكلو والتي كتبها في القرن الثامن عشر وقدّمت مراتٍ عدّة (لربما أشهرها الفيلم بالنسخة الهوليودية مع غلين كلوز، جون مالكوفيتش، ايما ثورمان، كيانو ريفز، وميشيل بفايفر في العام 1988). تتحدث المسرحية(كما الرواية) عن علاقات حبٍ متداخلةٍ بمثلثاتٍ متعددة، يتداخل فيها الحب بالإنتقام، بالكراهية، بالإثم وأخيراً بالموت. يشارك قديح في العمل نجومٌ معروفون مثل برناديت حديب، برونو طبّال، صولانج تراك، فيما تقوم الموهوبة باتريسيا سميرة بإداء دورها المسرحي الأوّل.
يقدم قديح المسرحية شديدة التعقيد بلغةٍ مسرحية بسيطةٍ هادئة، وإن كان يعتمد كثيراً على احترافه الشخصي قبل أي شيءٍ آخر، فهو يخرج العمل، يكتبه، ويمثّل فيه دور البطولة. هذه الأدوار الكثيرة يعرفها المسرحيون عادةً تحت مسمّى “الرافعة”، إذ إنه في أغلب الأعمال المسرحية هناك “رافعة” تحمل العمل على ظهرها بأكمله، حتى وإن تعب الباقون، فإن العمل يستمر لأن هذه الرافعة هي التي تحمله. يلعب قديح في المسرحية دور الفيكونت دو فالمونت (الأسماء بقيت هي ذاتها من المسرحية الأصلية)، وهو دورٌ شديد الجاذبية، يناسب طبيعة وقدرات قديح الشخصية، يتقلّب بين شخصياتٍ عدّة: اللعوب، المنتقم، الشهواني وبالتأكيد المقاتل الشرس. يمارس جو مهارته التي أتقنها إبان عمله “منفرداً” في مسرحياته السابقة، فيبدو أحياناً سيد الخشبة نجماً وحيداً، لكنه بنفس الوقت “لاعب فريق” لذلك قلّما شهدناه محاولاً خطف الأضواء من أحد. بدورها تؤدي برناديت حديب شخصية الكونتيسة دي مورتواي وأقل ما يمكن أن يقال عن حديب كمؤدية أنها “وحشة” مسرح، إذ يصعب على أي ممثل أو ممثلة ألا يؤدوا باحتراف أمامها وإلا فإنهم ببساطوا لن يظهروا أبداً، أي ببساطة: إذا لم تؤدي كما هو مطلوبٌ منك وزيادةً أمام برناديت فإن ضوء إدائها سيجعلك لا تظهر البتة. حديب التي راكمت خبراتٍ طويلة من خلال عملها في المسرح لسنواتٍ عدّة تثبت يوماً بعد يوم أنها واحدة من أهم الممثلات المسرحيات ليس في لبنان فحسب بل في العالم العربي. ويكفي فقط مشاهدة إدائها في هذا العمل كي يعرف المرء ماذا يعني أن تكون ممثلةً مسرحية. على جانب آخر يكتشف برونو طبّال نفسه من جديد. خريج ستار أكاديمي السابق يعود هذه المرّة بشعرٍ أشقر لإداء دور رافاييل دانسيني العاشق الواله بحب فتاةٍ يكرر دائماً أنه مستعدٌ لقتل مجرد من ينظر إليها. طبال يتفوّق على نفسه هذه المرّة كثيراً خلال إداءه في هذه المسرحية، يرقص، يغني، يغازل، وحتى يحزن كثيراً خلال دوره، وهي لربما المرّة الأولى التي يطلق فيها طبّال هذا الكم من المواهب في دورٍ واحد.
تنجز صولانج تراك الدور بإتقانٍ مرتفع، فتظهر الشخصية “بريئةً” للغاية كما هو مفترض؛ مما يمكّن المشاهد من التشارك معها في كل لحظاتها، فيتعاطف معها حتى في لحظات “الخيانة” لأنها ليست إلا ضحية.
أما في دور دي تورفاي فتتألق صولانج تراك كثيراً في إداء دور السيدة “المصون” والمهذبة التي يجرّها الفيكونت دي فولمونت إلى فخ الخطيئة. تنجز صولانج الدور بإتقانٍ مرتفع، فتظهر الشخصية “بريئةً” للغاية كما هو مفترض؛ مما يمكّن المشاهد من التشارك معها في كل لحظاتها، فيتعاطف معها حتى في لحظات “الخيانة” لأنها ليست إلا ضحية. تبذل تراك جهداً بالغاً خصوصاً في مشاهدها مع جو قديح، حيث يبدو قديح –الأكثر تمكناً مسرحياً- محاولاً السيطرة على “حلبة” المشاهد التي تجمعهما، لكن تراك لا تستسلم بسهولة، فتنافس قديح الند للند وهو ما يجعل مشاهدهما معاً ممتعةً للغاية. أما مفاجأة العمل فهي بالتأكيد “الصبية صغيرة السن” سيسيل والتي تلعب دورها باتريسيا سميرة. باتريسيا تقدّم الدور بنوعٍ من الخجل أول الأمر، لربما لطبيعة الدور الملقى على عاتقها، ولكنها سرعان ما تدخل فيه أكثر فأكثر، فتظهر انسجاماً عالياً مع برونو، وخفراً أمام برناديت، وتوازناً أمام جو. ويبدو من الواضح أن المستقبل أمام باتريسيا سميرة كبير، ذلك أنَّ مجرد مشاركتها وبهذا المستوى في مسرحية متخمة بنجومٍ لديهم الخبرة مثل هذه يعد إنجازاً كبيراً.
يتحدى المألوف من خلال تقديمه مسرحية “كلاسيكية” بطريقة Classic Noir، مع كل ما يحتويه هذا النوع من المسرح
اخراجياً يبدو أنَّ قديح قد دَرَس العمل بشكلٍ كبير، فمدّة السنة التي قضاها يعمل على المسرحية ككل، تعني أنّه يأخذ عمله بتأنٍ كبير، فضلاً عن أنّه من الواضح أن هناك نوعاً من البحث خلف المادة المنتجة. أبرز النقاط التي تظهر إخراجياً هي اختياره الجيد لممثليه (فلا نجد أي ضعف تمثيلياً)، تركيبه للمشاهد بشكلٍ يضمن عدم سأم المشاهدين، الاعتماد على المزج بين عالمين يختلفان زمنياً (فرنسا القرن الثامن عشر وبيروت/لبنان القرن الواحد والعشرين) والذي يظهر من خلال استعمال أبطاله لهواتف نقّالة، وبالتأكيد أتت “لبننة” العمل كنوعٍ من “الفاكهة” اللطيفة داخل العمل، وإن كانت “زائدة” بعض الشيء في لحظاتٍ ما، لكن ذلك لم يشكل أي “ثقل” من أي ناحية من النواحي.
ختاماً؛ خطيرٌ هو جو قديح في عمله المسرحي الجديد، خطيرٌ لأنه يتحدى المألوف من خلال تقديمه مسرحية “كلاسيكية” بطريقة Classic Noir، مع كل ما يحتويه هذا النوع من المسرح (يدير الأبطال ظهرهم للجمهور أحياناً، تطفئ الأضواء تماماً في مشاهد أخرى، وهي أمور تخالف منطق المسرح الكلاسيكي المعتاد). خطير هو جو قديح لأنه يراهن على جمهور مسرحي يعتقده كثيرون –في عالم المسرح اللبناني/العربي- غير قادرٍ على تذوّق المسرح القصصي وكلاسيكيات الفن الجميل. خطيرٌ هو لأنّه ببساطة يسبح عكس التيار السائد والمعاد، ولأنه يرغب في أن يعود المسرح فناً عن الناس، وللناس.






