خاص : أضواء المدينة هل هي حقيقة؟ أم فضيحة؟ عن برنامج عرب كاستنغ Arab Casting*
*لاجئة مغربية ببرنامج عرب كاستنغ Arab Casting*
*إن حياة الفن لا تتوقف عند عتبة برنامج مبني على إذلال المشتركين، يمكننا الصبر على الجوع، يمكننا الصبر على تأخر الوجبات الغذائية وإلغاء أخرى، يمكننا الصبر على افتراش الأرض أثناء تناول وجبة الغذاء والغبار يتطاير على الأكل، قد نصبر على تناول ما لا نحب، قد نصبر على التعب، و على السفر لمدة 24 ساعة والنوم لساعتين فقط، ثم الاستيقاظ للذهاب إلى الأستوديو والانتظار مايزيد عن 18 ساعة إلى أن يحين دورك لتقديم المشهد، لكن لا يمكننا الصبر على الإهانة والمذلة…
ولأننا نستحي من الرد على الأكبر سنا منا، فقط لأن تربيتنا غير السوية تحتم علينا ذلك مهما تجاوز هذا الأخير حدوده معنا، ولأننا أخطأنا عندما قيدنا أحلامنا بمجرد برنامج كان أصغر بكثير من أن يضم عنفوان هذه الأحلام اضطررنا للصمت، واضطررت أنا بالذات لتحمل إساءة لم أكن لأسكت عنها، والسيطرة على أعصابي حد الاختناق وأنا أسمع قهقهات بعض المشتركين _ أي فناني الغد _…
انسحبت حتى لا تثور كرامتي في وجه *مأمون علواني* الفنان التشكيلي والناقد والاعلامي والدكتور وغيرها من الصفات التي لايسبغها إلا مبتكرها عن نفسه، لأنها صفات يفتقدها في الواقع، فيدونها على صفحته على الفيس بوك بجانب اسمه، وماتبقى في ورقة تعريف عل مريديه ممن يحلمون بأن يصبحوا فنانين يرددونها بين الفينة والأخرى في تعليقات بائسة وتعيسة تعاسة هذه الأوطان التي نقتسم فيها الوجع ذاته، لكننا رغم القهر النفسي نسعى لاختراق أفقها الضيق بتحقيق حلم ذو رسالة يسعى بها نحو التغيير ليصير هذا الأفق شاسعا بحجم أحلامنا…
لم أملك في تلك اللحظة سوى دموعي التي غلبتني وتمكنت مني، وثقت تلك اللحظة بصورة دون وعي مني وأنا أرفع عدسة هاتفي الأمامية وأرى على الشاشة دموعي التي أعزها كثيرا، ليلتف حولي العديد من المشاركين وبعض المسؤولين بالبرنامج بدافع المواساة، معبرين عن استيائهم من طريقة رد الدكتور علي، واصفين إياها بالسوقية، وأنه بهذا التصرف لايعكس سوى تربيته وأخلاقه، وأنها محاولة منه لإضعاف مشتركين من بلدان معينة، وأنه علي استغلال الموقف بأن أثبت له امكانياتي وقدراتي الفنية، إلا أنني في تلك اللحظة كنت وكأنني أبكي كل ما مر بي، وكل ما صبرت عليه وأنا أستعد لهذا البرنامج، ولأن وقع الكلام الجارح الذي تلفظ به الدكتور كان أقسى من اللازم وأشد قساوة على ابتسامتي وأنا أستفسره: من فضلك أنا أحتاج إلى اكسيسوار كبير للمشهد، لأن العاملين بالبرنامج أخبرونا أثناء المكالمات الهاتفية أنكم ستوفرون لنا الاكسسوارات الكبيرة…
قاطع كلامي وهو يسأل: شو هذا الاكسسوار الكبير؟
أجبته: سرير..
أجابني بمنتهى الوقاحة، هكذا: شو بدك نجيبلك حدا تنامي معو فوق السرير كمان؟…
وأدار ظهره لي مباشرة غير مكترث لي وهو يزهو بقهقهات بعض المشتركين _ أي فناني الغد _ الذين عوض أن يستفزهم الموقف، قهقهو له…
ولأنني في لحظة كان علي أن ألتزم الصمت فيها حتى لا أخسر هذا الحلم الذي لم أكن لأرسم له هذه الطريق لو أن الظروف لم تقف حاجزا بيني وبين ولوج المعهد العالي للتنشيط الثقافي والمسرحي ببلدي…
واصل الدكتور كلامه وسخريته من الجميع، حتى القضية الفلسطينية لم تسلم من لسانه وهو يسخر من صديقي هشام، وهو أحد المشتركين من فلطسين الذي كان من المفترض أن يتناول القضية الفلسطينية من خلال مشهده لو أن الدكتور لم يمنعه من ذلك ويسخر منه ومن القضية، منتش كالعادة بقهقهات بعض المشتركين..
إذا كنا نحن باعتبارنا فناني الغد ممنوعين من الحديث عن قضايانا ومشاكلنا وعقدنا، فمن سيفعل ذلك؟ سياسيينا مثلا؟!!!!…
تابع كلامه وهو يحذرنا من المواضيع التي لا يجب الخوض فيها: الجنس والدين والسياسة والأم التي لا يجب ذكرها بسوء، لم يترك لنا مجالا للتعبير إذ أن جل المشاكل التي نغوص فيها تصب في الدين والسياسة والجنس.
أي منطق هذا الذي يجعل من شخص يحتم عليك عدم ذكر الأم بسوء فقط لأن أمه متوفية؟!!! لو افترضنا أن هذا الشخص مخرج أفلام!!! يا ترى ماهي المواضيع التي سيتطرق لها من خلال أفلامه؟ أليس من المفروض أن يكون واعيا بأن مهمة الممثل أن يجسد كل الأدوار وينفتح على كل القضايا المطروحة وكل المشاكل التي تغوص فيها مجتمعاتنا؟…
قال لنا: بدنا نضحك، خلونا نضحك!!!…
كان شبيها بأساتذة التنمية البشرية وسياسيينا الذين يصرون على أن نقول أن العالم جميل رغم أنه يغوص في السوداوية…
من الساعة العاشرة صباحا في الوقت نفسه الذي بث فيه الدكتور سمه فينا إلى غاية الساعة الواحدة أو الثانية صباحا من اليوم الموالي ونحن ننتظر ساعة تقديم مشاهدنا أمام اللجنة، وطيلة هذه المدة وأنا كالتائهة التي لا تدري سبب مجيئها إلى هذا المكان الذي صار فجأة المكان الذي كسرت فيه كل أحلامي، بعدما كان المكان الذي سأحققها فيه…
بين الحين والآخر يأتي مشترك أو مشتركة ليستفسرني عن ما حدث بيني وبين الدكتور لأنهم غابوا عن تلك اللحظة، فاكتفى الآخرون بنقل الخبر لهم، حتى أكاد أتناسى الموضوع وأركز مع المشهد الذي سأقدمه بعد لحظات قليلة، فإذا بي أفاجئ بأحدهم يسألني عن الموضوع ذاته ليقتلع بذلك دموعي من جذورها…
كنت أحدق بالمرآة أمامي وأنا أردد نص المشهد دون أن أحس بما أقول، أردده فقط، وأنا أحدق في المرآة لم أتعرف علي من خلال شكلي وملامحي التي باتت شاحبة جدا، وكأنني لست أنا، حينها سمعت اسمي، لقد حان دوري لتقديم المشهد، صرت أحاول تذكر أول جملة من المشهد لكن دون جدوى، ذهبت إلى غرفة الماكياج، إلى الآن لست متأكدة ما إذا كانو قد وفروا لي ما أحتاجه لمشهدي الكئيب أم لا؟ وصلت إلى الكواليس، السرير تم توفيره، صرت أكرهه، لم يوفرو كل شيء، صرت أكره المشهد، سأقف أمام اللجنة وأفضح ما حدث رغم علمي أن تسجيل الحلقات غير مباشر وأنهم سيقصون مايسيء إليهم ويحتفظون بالأشياء الجميلة فقط، لا يهم سأكتفي بفضح الأمر أمام اللجنة والجمهور، بسذاجة الأطفال هكذا فكرت، تراجعت، لا سأقدم المشهد، قد تكون هذه نقطة بداية لتحقيق حلم مازال يصرخ في السراب، سأقدم المشهد إذن، لكن بأي جملة يبتدئ المشهد؟!!! افففف، أجل تذكرتها: هنا أحلم، المشهد يبتدئ ب: هنا أحلم، يا لهذه الصدف المميتة، افففف فلأسترخي، تمة مشاركة قبلي ستقدم مشهدها الآن، سأشاهده على شاشة التلفاز الصغير هذا، المشاركة تؤدي مشهدها بسرعة مريبة دون أدنى احساس بما تقول، أربكتني، انتهت…
*غادة عبد الرازق* تقهقه ضحكا عليها، كنت أتوقع منها أن تشير إلى مكامن الخلل في أدائها، عضو آخر باللجنة لا أعرف عنه شيئا _ قيل لي أنه ممثل كوميدي _ قال لها : “روحي اتعلمي تطبخي أحسنلك” هو الآخر لم يشر إلى مكامن الخلل في أدائها، جعل الجمهور يضحك على أدائها، بل جعل منها أضحوكة، لم يكن من بين اللجنة سوى الأستاذين *باسل خياط* و *قصي خولي* اللذان كانا في قمة اللباقة والأدب مع المشاركين…
تم التصويت ب *لا* من طرف أعضاء اللجنة بالكامل، ابتسمت المشتركة وهي تقول شكرا وانصرفت…
ما هذا الأدب الذي يتسم به مشتركون في بدايتهم الفنية ويفتقد له من هم قدوة لهم!!!…
فيما بعد سأكتشف أن هذه المشتركة *راقصة باليه* بعدما ألقيت نظرة على صفحتها على الفيس بوك وأنا أشاهد مقتطفات من رقصاتها سواء عبر صورها أو مقاطع الفيديو، كانت فنانة تفيض بالمشاعر، كانت فنانة بحق، كان جسدها يفيض بالمعاني وروحها التي تحلق على أطراف الأصابع، هل هذه هي التي سخرت منها اللجنة؟ هل هذه هي التي قال لها *طارق العلي*: “روحي اتعلمي تطبخي”؟ من عليه تقييم من؟ هي طبعا أكثر إبداعا منه، هي تقدم فنا أقل مايقال عنه أنه فن قمة في الرقي، حيث تعتمد في تقنياتها على جعل الجسم يتحرك بأكبر قدر من المرونة والسرعة والسيطرة والرشاقة، مصحوبة بالموسيقى التي تنظم حركاتها بشكل منسجم…
وهو ماذا يقدم؟ السطحية طبعاااا…
توقفت حائرة عند هذه النقطة لأتساءل؟ هل اللاعدل يسود في كل شيء؟حتى في الفن؟!!!…
حتى *غادة عبد الرازق* التي كان من المفترض أن تحترم المرأة ككيان مستقل مكانه الطبيعي ليس هو المنزل والمطبخ كما جسدت ذلك في آخر مسلسل لها *الخانكة* فاجأتني وهي تسخر من المشاركات على وجه الخصوص وهي تؤكد على أن المطبخ هو مكانهن الطبيعي عندما ضحكت بصوت عال على سخافة ما تفوه به المدعو *طارق العلي* وكأنها تتفق معه، فهل كانت *غادة عبد الرازق* أقرب إلى شخصية *نعمة الله* في مسلسل *الحاج متولي* وأبعد مايكون من شخصية *أميرة* في مسلسل *الخانكة* والذي أحببتها أكثر من خلاله، والتي قالت أثناء استضافتها من طرف قناة *العربية* أنها أقرب إلى شخصية *أميرة* كثيرا!!!… وهل تصدق في حق *غادة عبد الرازق* مقولة نيتشه الشهيرة: *المرأة عدوة للمرأة* ؟!!!
حان الآن دوري لتقديم المشهد، مازلت مشوشة، بل أكثر من ذلك، صعدت السلم، تشجعت قليلا، إحدى المسؤولات تشير إلى النقطة التي يجب أن أقف فيها، لم أنتبه إلى النقطة التي حددتها لي لكنني أخبرتها أنني تبينتها، رن الجرس فدخلت، دخلت مطأطأة الرأس بفعل الإضاءة، ما إن وقفت بالمكان المخصص حسب ما أراه مناسبا حتى بادرني عضو من اللجنة _ ذاك الذي قيل لي عنه أنه ممثل كوميدي _ بالسؤال: ما اسمك؟
أجبت: غزلان الهمومي من المغرب…
لم أحس بأي رهبة لحظتها، أحسست أنني استرحت قليلا، لكن ما إن بدأت أداء المشهد حتى علمت أنني سأخسر أكبر خسارة في حياتي، وأتعرض لأكبر احراج أمام جمهور آني قليل، وجمهور لاحق سيشاهد تفاهة وسخافة ما قدمت، صرت وأنا داخل دوامة المشهد أبحث عن غزلان التي كانت تؤدي المشهد أيام التدرب عليه، غادرني احساسي وصوتي وألمي الذي صاحبني طيلة حياتي ليخونني في هذه اللحظة بالذات ويرحل…
سقط المنديل الوردي من يدي كما تسقط الأحلام، سقط لأنه كان أصغر من أن يلم شتات أحلامي، طلبت رداء أسود عريض لكنهم لم يوفروا كل شيء كما وعدونا خلال مكالماتهم الهاتفية، توقفت عند المنديل الذي سقط، انزعجت، لم تساعدني خبرتي القليلة فوق خشبة المسرح التي كنا نبنيها بالطاولات التي كنت أتتلمذ عليها بالثانوية، مازلت بعيدة عن الخشبة بعد الشمس الحارقة عني، لكن لم يكن هذا هو سبب عيائي واستسلامي، بل العياء عياء الإهانة والجوع، لم نكن مشتركين يصنعون حلمهم، بل كنا لاجئين في لبنان، لاجئين من نوع آخر…
طلبت من اللجنة أن أعيد مشهدي، لكن الأستاذ *باسل خياط* شجعني على الاستمرار، واصلت أداء المشهد دون حب، أحسست وكأنني مجنونة جاؤوا بها من الشارع ورموها فوق خشبة المسرح، لم أكمل المشهد إلى نهايته لأن الوقت المحدد قد انتهى، انتهت الدقيقتين ولكنني لم أكن متأكدة من أنها دقيقتين بالكامل، أشك أن الأوقات هي الأخرى يتم العبث بها في أوطاننا…
كنت كالواقفة على سقوط الأندلس، أتجرع مرارة ما فعلت، وطبعا لا أحد سيفهم أو يتفهم أن التي كانت تمثل ليست أنا…
رأي *غادة عبد الرازق* كان لصالحي في بادئ الأمر وأبدت اعجابها بما قدمت، لكن سرعان ما انقلب ضدي وأنا أحاول استدراك الموقف بعد طلبي أداء مشهد آخر، الذي كان أسوأ من الأول بكثير مادام أن عامل التوثر في تصاعد مستمر…
عبر حينها *طارق العلي* بشكل جلي عن تخلفه وذكوريته عندما قال لي بسخرية مقيتة: حريم ماتسمعون الكلام قلتلك لا ضيفين مشهد..واضطررت للصمت مجددا…
لم أهتم حينها لبعض آراء اللجنة الإيجابية ولا لتصويتهم لصالحي، كان سيكون أهون علي لو كنت راضية على أدائي حتى لو رفضني كل أعضاء اللجنة، أهون بكثير من ألا أكون راضية على أدائي حتى لو سرهم جميعا، فرأيي بنفسي لحظتها كان أهم، ورأيي بالمشهد أنني كنت فيه أسوأ من السيء…
كل ما حدث شيء وما قذفه *طارق العلي* من تفاهات وسخافات شيء آخر…
لم أكن أعرف ممثلا اسمه *طارق العلي* من قبل، لأن نوع الفن الذي يقدمه بعيد كل البعد عن ذوقي..هذا إذا كان طبعا مايقدمه طارق يعد فنا، كان أشد الخلق تفاهة ووقاحة، أي فنان هذا الذي يستغل شكل المشتركين لاضحاك الجمهور؟!!! أي فنان هذا الذي يضحك على طول قامة المشترك لاستكمال النقص الذي يعانيه؟!!! أي فنان هذا الذي جيء به إلى البرنامج مشان يعمل جو وشووو؟!!! أي فنان هذا الذي إذا نطق بالتفاهة ولم يضحك الجمهور، يلتفت إليهم ويقول: معي حق ولالا؟ ليردد الجمهور كالببغاوات: ناااعااام… أي فنان هذا الذي يدعم مواقفه من زعيق وتصفيق الجمهور؟!!! لا يمنع أن تحاول اضحاك الجمهور يا طارق، لكن أضحكه بفكرة أو موقف، تمرر من خلاله رسالة، والأهم أن تحافظ على احترامك لنفسك. بل أي جمهور هذا الذي تضحكه التفاهات دون أدنى مراعاة للمشترك الذي يقف أمامه، والذي قطع مسافة طويلة ليصل، وقطع علاقات ليصل، وتقطعت به السبل ليصل!!! _ مهما كان هذا المشترك ضعيف إبداعيا _…
نحن لم ندعي أننا فنانين، نحن نسعى لذلك، ونطمع في فرصة للتكوين، لم يكن الفوز هدفنا، كنا نختبر ذواتنا، كنا نرغب بسماع آراء ممثلين ظننا في غفلة منا عن حقيقتهم أنهم فعلا يهمهم تشجيع المواهب أكثر من الأجر الذي سيتقاضونه عن لحظات سخريتهم بميوعة فاضحة من المشتركين إذا ما استثنينا أدب ولباقة الأستاذين *باسل خياط* و *قصي خولي* في كيفية التعامل…
كان البرنامج يبدو جميلا على شاشة التلفاز، لكن الواقع مر كعادته…
لم يفرحني تأهلي في المرحلة الأولى التي سبقتها مراحل كثيرة، فهممت بمغادرة الخشبة، نادى علي الأستاذ *قصي خولي* لأنه تأسف لتأسفي ونبلا منه حاول تشجيعي، الشيء ذاته حاوله الأستاذ *باسل خياط* لكن بصرامة تعكس طبعه، ومن باب التشجيع أيضا، لم يغير هذا من حال الأمر شيئا، عدت أدراجي تائهة وبي عياء أطفال الحروب كلها، وفي انتظاري مجموعة كاميرات علي أن أقف أمام كل واحدة منها وأتحدث عما اقترفت…
كلاجئة في لبنان _ رددت أغنية سيدة الفن *فيروز* وأنا ذاهبة إليها: “نسم علينا الهوى من مفراقي الوادي..يا هوى خذني على بلادي…” _ تبخرت كل أحلامي، عدت لاستكمال ما تبقى بينبوع عيوني من دموع، لكن بمرارة أشد.
أطل الصباح ونحن مانزال بالأستوديو، عدنا بعدما هلكنا من التعب والنوم الذي يستبد بي، أنا التي خلال ثلاثة أيام لم أنم سوى ساعتين…
عدت وارتميت فوق السرير دون تغيير ملابسي و مسح مكياجي وغسل وجهي وتسريح شعري، نمت ولم أنم، كنت كمن خرج من كابوس ليدخل في آخر، كنت بين اليقظة والحلم الكئيب والتعيس، كنت أعيش التيه، بل كنت أنا التيه ذاته، في لحظة استشعرت يد إحداهن توقظني من نومي وتقدم لي كوبا به سائل أصفر اللون، شربته وعدت إلى النوم، وعندما استيقظت، اكتشفت أن صديقة جديدة حلت على الغرفة من المشتركين الذين وصلوا حديثا من الجزائر، اسمها *لويزا* هي التي رق قلبها على حالتي فقدمت لي دواء به فيتامينات للقوة، أخبرتني فور استيقاظي بعدما سألت عن حالي أنها ذعرت عندما رأتني نائمة، وأنه كان واضحا علي أنني متعبة، فسألت عني صديقة أخرى التي حكت لها ما حدث معي فقدمت المساعدة، كانت أطيب من الطيب ذاته،طيبة تليق بتقاسيم وجهها الجميل كالجزائر…
حتى الجوع حينها لم يعد يهمني…
استيقظت بعدما نمت 3 ساعات أو أقل، استحممت وغيرت ملابسي ورتبت تفاصيلي، وعدنا مرة أخرى إلى الاستوديو رغم تذمري وتفكيري في الانسحاب، لو لم يذكرني أحد الأصدقاء بالعقد الذي وقعت، والذي من بين شروطه عدم الانسحاب من البرنامج.
قضيت اليوم تائهة لكن مرتاحة نسبيا لأنني سأكتفي بتواجدي بالأستوديو فقط، لأن عليهم استكمال مرور المشاركين الآخرين…
نعود متأخرين كل يوم وبطوننا تستغيث من الجوع، في اليوم الثالث وكأن القدر رقه حالي تم إعفاء الذين قدموا مشاهدهم من التصوير ومكثنا بالفندق، ارتسمت على محياي ابتسامة باهتة وبعدها شيئا فشيئا بدأت أضحك وأتناسى وأحسم في أمر عدم استمراري بالبرنامج سواء تم قبولي بمرحلة المداولة أو تم رفضي، بل صرت أتمنى عدم قبولي، فليست هذه هي الطريق التي علي أن أسلكها كي أصل لمرادي ومبتغاي…
تم فعلا عدم قبولي بمرحلة المداولة للمرور إلى المرحلة الموالية، تقبلتها بصدر رحب وارتياح، بل صرت من اللواتي يقمن بمواساة من لم يتم قبولهم رغم أن من بينهم من كان يستحق التأهل فعلا، لكن هذه هي حقيقة البرنامج، تمة قوانين أخرى تحكمه أهم من موهبة المشترك…
عدنا أدراجنا إلى قاعة التصوير حيث سيتم توثيق لحظات حزن للذين لم يتم قبولهم، جلست على الأريكة كي استكمل استرخائي وأنا أراقب بكاء وعويل بعض من الذين لم يتم قبولهم، كنت قد عبرت عن حزني قبلهم، لم أعد أحس بأي شيء، تجمدت مشاعري فجأة وواصلت حديثي مع المشتركين الذين تقبلو النتيجة هم الآخرين بصدر رحب، وعدنا إلى أوطاننا بعد ذلك اليوم جميعا، حتى المغاربة الذين تأهلوا إلى المرحلة الثانية تم اقصاؤهم فيها، عدنا جميعا في طائرة واحدة، لم أعد حزينة، حقي الذي تم هضمه هناك والضرر النفسي الذي تم إلحاقه بي من طرف مرضى ومعقدين أسترده الآن عبر الكتابة وحرية التعبير…
أخيرا أقول: الفن والإعلام والثقافة في بلداننا يحكمها التافهون والمرضى والمعقدين…*
*غزلان الهمومي*



