عن عودة المسرح الشعبي: عن “بيروت – طريق الجديدة”
عبدالرحمن جاسم
يعتبر المسرح الشعبي جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الشعوب، فهو يصّور عادةً تجاربهم وعاداتهم وتقاليدهم، من هنا أتت التسمية، وكذلك الدور والأهمية. فأهمية المسرح الشعبي هي في الحفاظ على ذلك التراث الشفهي غير المكتوب، وإضافته إلى الذاكرة الأبدية لتلك الشعوب. ومن خلال هذا النوع من المسرحيات تخلدت وحفظت ذاكرة كثيرٍ من الشعوب لربما أبرزها السكان الأصليون للويات المتحدة الأميركية والذي بقي تراثهم حياً حتى اللحظة عبر مسرحهم “الشعبي” والذي لا يزال نشيطاً حتى اللحظة. لبنانياً بدا خلال السنوات الفائتة أن هذا النوع من المسرح الشعبي التراثي قد “انقرض” إلى حدٍ كبير، فاختفت الحكايات ليحل مكانها مسرح “الشانسونيه”، وابتعدت القصّة الشعبية المحبوكة لتقترب من قصص أقرب إلى الفكاهة والاسكتشات. تسبح مسرحية “بيروت الطريق الجديدة”(تأليف وإخراج يحيى جابر، مشاركة في التأليف وبطولة زياد عيتاني، وتعرض على مسرح تياترو فردان كل يوم ثلاثاء
) عكس ذلك التيار نهائياً؛ فهي حكاية شعبية ملحة، حكاية منطقةٍ تحمل كل الصفات، وكل الأطياف، وكل الأنواع، حكاية أناس هذا الشارع وتاريخهم، صفاتهم وتقاليدهم، إنها تأريخ حي لمنطقةٍ عاشت كل الأحداث.
يأتي زياد عيتاني إبن الطريق الجديدة بطلاً في هذه المسرحية المونودراما (أي ذات البطل الواحد وإن كان هناك مشاركة “طفيفة” مساعدة تسمى اصطلاحاً في عالم المسرح بـsidekick أو المؤدي الجانبي). يبهر زياد القادم من عالم الصحافة والكتابة إلى المسرح الجمهور بعفويته البالغة، بحركته الدؤوبة والنشيطة، وأيضاً بإجادته اللهجة أي التحدّث بلكنة أهل المنطقة؛ كيف لا وهو إبنها. يظهر زياد عفويةً بالغة إبان إداءه لدوره في المسرحية، فيتحدث بكل أريحية مستعملاً لهجة لربما هي “أثقل” من لهجته التي يستعملها يومياً، هذه العفوية في تقديم الشخصيات، كما في تقديم نفسه على المسرح تجعل المشاهد يشعر بإلإنسجام كما الإندماج معه. على جانب آخر يبدو النشاط سمةً من سمات المسرحية، إذ لا يمكن للمشاهد أن يبتعد عن جو المسرحية، أو يشيح نظره عنها، فحركة زياد الكثيرة وانفعالاته تجعلان القصة مؤثرة لدرجة كبيرة. وأخيراً تلعب اللكنة المميزة والمحببة لأهل بيروت الأصليين (كما يقول في المسرحية عائلات بيروت السبعة الأصلية)، والتي تبدو إلى حدٍ كبير جزءاً لا يتجزأ من ثقافة العاصمة إلى أقصى الحدود.
هي حكاية شعبية ملحة، حكاية منطقةٍ تحمل كل الصفات، وكل الأطياف، وكل الأنواع، حكاية أناس هذا الشارع وتاريخهم، صفاتهم وتقاليدهم، إنها تأريخ حي لمنطقةٍ عاشت كل الأحداث
لا تروي المسرحية حكاية الشارع فحسب، إنها تروي حكاية تاريخ العاصمة المدهش، من خلال انتقالاتها السياسية الكثيرة، من خلال الأحداث والقصص والحكايا التي تجمع بين الناس. في القسم الأوّل هناك العادات والتقاليد بدءاً من تقاليد العيد وليلته الشهيرة، وصولاً إلى التواصل الإجتماعي والإنساني، حيث يصبح الأبطال بأسماء، وهذه الأسماء ترمز إلى المنطقة في حد ذاتها، فكل اسم وراءه حكاية. يجهد عيتاني لتقديم أفضل ما يستطيعه عبر شخصياته، هو يحاول قدر الإمكان “أنسنة” أبطاله، فيرسمهم بكل طاقاته، يعززه في ذلك “نصٌ” قوي للغاية كتبه يحيى جابر وإن ساعده في ذلك عيتاني نفسه، كونه إبن المنطقة ويعرفها ككف يده، كما يقول. في القسم الثاني هناك حكاية المنطقة ككل، سياسياً واجتماعياً، كيف انتقلت من هذه الجهة إلى تلك، وكيفية حصول ذلك مروراً بالأحداث الجلل، كما الأحداث الصغيرة التي تعني للناس الكثير ككرة القدم. تختزل المسرحية خلال ساعتين تقريباً حكايات منطقةٍ بأكملها، من العلاقة بين مشجعي ناديي الأنصار والنجمة، ومن عبدالناصر إلى نصرالله، ووصولاً إلى الحريرية السياسية وصولاً حتى مقبرتي الشهداء وروضة الشهيدين الشهيرتين.
إخراجياً بدت المسرحية متينةً للغاية، ولربما هذا من الأسباب الرئيسية التي جعلتها تستمر لسنواتٍ طوال في المسرح لابل وأهَّلها للعودة إلى الخشبة من جديدة على الرغم من أن الثنائي يقوم بمسرحية “شعبية” أخرى هي “بيروت فوق الشجرة” المسرحية التي علمنا بأنها قد كتبت وأعدت قبل مسرحية “بيروت الطريق الجديدة” لكنها لم تعرض آنذاك. هذين العرضين الثنائيين لربما يعتبران العرضان الوحيدان من نوعهما في الشرق الأوسط حالياً، فأن تقدم مسرحيتين مختلفتين لذات البطل (مونودراما) والمخرج في أسبوعٍ واحدٍ-فحسب- يعد إنجازاً كبيراً لا للمسرح اللبناني فحسب، بل للعربي أيضاً، وهي نقطةٌ تحسب لعيتاني لا كممثلٍ فقط، بل كمؤدٍ بارع أيضاً ولجابر كمخرج وككاتب يحاول بكل طاقاته حماية “المسرح الشعبي” من الإنقراض والاختفاء.
شعبياً، وبعد مشاهدة المسرحية، لا يمكن أبداً إلا أن يستعير المرء جملة تكرر سماعها حال الخروج من المسرحية: “هذه المسرحية يمكن مشاهدتها أكثر من مرّة”، فوق ذلك، تبدو كما لو أنّها دعوةٌ لكثيرين لمشاهدة المسرحية الثانية، فمن شاهد نجاح الأولى، يعنيه بالتأكيد الحضور لمشاهدة الثانية والاستمتاع بهذا الإداء الماهر والجميل.



