اخبار الفنكتب جمال فيَاض

آدم… في ليلة نَهْناء، فائز بامتياز!

كتب جمال فياض

كل عام، تقوم مهرجانات “أعياد بيروت” بالامتحان السنوي للنجوم، وتختبر حجم نجوميتهم. لماذا “أعياد بيروت” وليس غيرها من المهرجانات؟

لأن “أعياد بيروت” تقدّم في كل حفل من حفلاتها نجمًا واحدًا، بلا شريك.. يعني الجمهور الآتي، سيكون لهذا النجم بلا لُبس ولا غموض. ففي الحفلات المشتركة، تضيع الهوية: لمن هذا الجمهور الكبير؟ ربما يكون لواحد، أو لمشتركين معًا… وحفلات النجم الواحد صعبة وخطرة… فهنا، لا عشاء، ولا مشروب، ولا تَشاوف وتمظهر، لأن حفلات العشاء، يكون نصف جمهورها للطعام والشراب والرقص والتمظهر، والتشاوف… يعني نصف جمهور الصالة مضمون الحضور، أياً كان المغني والمطرب، ومهما كان البرنامج الفني…

تعالوا نرجع لما حصل في تلك الليلة النهناء…

المدرّج يتّسع لحوالي أربعة آلاف شخص، تأخّر الوقت؟ لا بأس، فنحن سننتظر… ورانا إيه؟

التنظيم ممتاز جدًا، وكل الأمور تسير على أجمل ما يتمناه الجمهور… العلاقة مع الصحفيين الزملاء كانت بمنتهى الحرفية، ومن المؤكّد أن الزميل فراس حليمه، هو معلّم وأستاذ في العلاقات العامة، هذا اللطيف المحترف، الجميل الروح…

دخلت الفرقة الموسيقية بقيادة المايسترو والفنان الملحن محمود العيد… بشرة خير، فالفرقة كما يبدو عددها يكفي ويليق بالاسم الذي ننتظره… ومحمود العيد، مايسترو وأستاذ كبير، وهو ملحّن أجمل أغاني آدم، وأينما حضر حضرت الموسيقى الجميلة وغابت الأخطاء… وهو ضمانة لكل مطرب بأن الموسيقى ستكون كما في الاستوديو…

ببساطة شديدة، دخل آدم إلى مسرحه بعدما اطمأنّ إلى اكتمال العدد، بلا هوبرات ولا ضجيج ولا تقديم، دخل في الموضوع… ومنذ نطق الحرف الأول، حتى هاج الجمهور. تنظر إلى الجمع بعين المراقب نظرة الكشف السريع، فتلاحظ أن الجمهور من كل الأعمار: شبّان وشابات، بالغين، كبارًا وصغارًا… وتكتشف أن الجمهور من الدول العربية، وخصوصًا من الخليجيين الذين أتوا إلى لبنان هذا الصيف بعد انقطاع.

يبدأ آدم بالغناء، فيكمل الجمهور عنه أغانيه، وكأنهم حفظوها عن ظهر قلب. ليس هذا الأمر الغريب، الغريب أن الأغنية جديدة، وهو أطلقها منذ يومين فقط… يعني أن الجمهور حقيقي، وليس مجرّد ملء عين الكاميرات! (أظن كلامي مفهوم)…

تعالوا إلى آدم من جديد، هذا الشاب الذي تعب طويلًا، وأرهقه السعي إلى النجاح، بدا خجولًا، يعني وعينه في الهواء الطلق، يحرجه أن يحدّق في العيون الشاخصة فيه، فيغني وهو مشغول بالإحساس، لا بالتصفيق الذي يرافق أغانيه وغناءه. إحساس آدم ليس كغيره من المطربين، هو صنع إحساسًا خاصًا، لا نعرفه من قبل ولا عرفناه من بعد… أستاذ يبسّط الحالة حتى يشعرك بالذوبان الكامل بالغناء… عرف جيدًا كيف يبتعد عن فضل شاكر بشطارة، بل بمنتهى الشطارة… ويكوّن شخصيته الخاصة وإحساسه الخاص جدًا.

الفرقة الموسيقية فيها أساتذة و”سلاطين” كما سمّاهم آدم، وقدّم عازف الكلارينيت غسان أبو حلتم(أردني الجنسية) صولو أبهرنا وأمتعنا، كما في كل حفلة من حفلات آدم … وكما توقّعنا، محمود العيد، قائد فرقة رائع، وأستاذ محترف وخبير…لا يتهاون بنوتة موسيقية، وهو أجمل ضابط فرقة يمكن أن يعتمد عليه أي فنان …

يتنقّل آدم بين أغنية وأخرى، ومع كل نغمة صرخات وآهات وقبلات ترسلها له العيون والحناجر… جمهور كبير من الشابات والشبّان، لم يجلسوا لحظة، فقط وقوفًا يغنّون ويلتقطون الصور، ويسجّلون اللحظات بكاميرات الهواتف… ورصيده الكبير من الأغاني الناجحة، يسمح له بأن يغني لساعتين دون حاجة لأي غناء من الأغاني المشهورة لكبار الزمن الماضي… ومع ذلك، منحنا في الختام هدية بأغنيتين من تاريخ محمد الموجي وبليغ حمدي…

سبق وشاهدت مثل هذا الحفل الكبير العام الماضي في بيروت، عندما وقف آدم على مسرحه يجنّن الجمهور، لكنه في العام الماضي كان شريكًا لجمهور جورج وسوف، والمطربة العراقية رحمة رياض… وسبق وحضرته منذ عامين في الرياض، وكان شريكًا في الحفل لجمهور جورج وسوف وراغب علامة… هذه المرّة، آدم لوحده، يمتحنه مهرجان “أعياد بيروت” لوحده، ويأتي إليه جمهوره لوحده، ويغني في حفل كبير لوحده، ومعه فرقة موسيقية تحفظ أغانيه لوحده… يعني بالخلاصة، هذا النجاح الكبير له لوحده…

أكلّمه من بعيد، وأقول بالإشارة: هذا الجمهور لك وحدك، يحفظ أغانيك كلها… فيجيبني بإشارة نحو السماء، يقول فيها: هو رضىً من الله، ويحمده بقبلة امتنان على كفّه ويضعها على جبينه.

لم تمرّ أغنية من أغاني آدم، إلا وكانت لها “هلّليلة” من الجمهور، مجرّد نقرة من الآلات الموسيقية، كافية ليجنّ الحاضرون فرحًا بالآتي من الغناء… ما هذا؟ معقول أن هذا الفنان الذي لا يحضر في أي إعلام أو صحافة، هذا الذي لا نتكلّم عنه إلا نادرًا، جمع مثل هذا النجاح الكبير بصمت وبدون ضجة؟

هذا الغناء الذي اعتقد البعض أنه انقرض، وأن الموضة تحوّلت للتفاهات، يثبت أن العمل الراقي ما زال موجودًا، وله جمهوره الكبير… لكن المبدعين صاروا قلّة قليلة، ففُتحت الأبواب للتافهين ليحتلوا المساحة على الساحة…

نخرج بعد كل هذا الصخب الجميل، وعند المدخل تقترب مني مجموعة من شباب وشابات أردنيين، فيقولون: جئنا خصيصًا من الأردن لحضور حفل آدم، ووصلنا متأخرين بسبب موعد الطائرة، لكننا حضرنا الربع الساعة الأخيرة من الحفل، وهو أمر أسعدنا أننا على الأقل شاهدناه وسمعناه ولو لربع ساعة فقط…

هذا ليس حفلاً غنائيًا عاديًا، هذا امتحان مرّ به آدم ونال فيه درجة امتياز…

فليحافظ عليه، وهو يعلم أن الحفاظ عليه ليس سهلًا…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى