إدوارد… الفنان الذي هزم المرض بابتسامة!

كتب جمال فياض
تلقيت دعوة لحضور حفل افتتاح مطعم أنيق وجميل في بيروت. وغالبًا لا ألبي مثل هذه الدعوات، لأني أعتقد أنها مجرد دعوة روتينية تُرسل لجميع الصحفيين باعتبارها “واجبًا روتينيًا”. لكن صدفة عند باب الفندق الذي تواجدت فيه لمناسبة أخرى، جعلتني أُعدِل عن رأيي. فقد التقيت الممثل القدير الصديق أيمن رضا عند باب الفندق، وأخبرني أنه سيكون في الحفل، ودعاني للحضور لنلتقي بعد فترة تباعد فرضتها الظروف.
وبالفعل قررت الحضور، وفي اليوم التالي علمت أن مجموعة من الفنانين المصريين ستكون أيضًا في الحفل، وقد تلقوا الدعوة عبر المنسقة الناجحة، والصديقة المشتركة لكل الفنانين والإعلاميين والشخصيات الاجتماعية، مايا بركات. فقلت إنها فرصة أن ألتقي أيضًا بالصديق الفنان إدوارد فؤاد، وهو صديق وزميل في شبكة أوربت مصر.
وفي اليوم التالي، بحثت عن إدوارد للسلام عليه، وفوجئت بأنه قد فقد الكثير من وزنه، وبدا ليس على ما يُرام. لكني بادرته: “أظن كده كفاية، التخسيس زاد عن حده قليلاً، يمكنك الاكتفاء بما وصلت إليه”.
فضحك وقال: “يا ريتها كانت حكاية تخسيس وبس… دي حكاية طويلة…”، وراح يحكي لي عن مشواره في السنة الماضية، والذي تعرّض خلاله إلى مخاطر بالجملة، لا يمكن أن نتوقع نجاته منها بهذه السهولة، لولا المعجزة الإلهية وإيمانه الكبير بأن الله لن يتركه.
كظمت حزني بصعوبة، لأني لم أشأ أن أحبطه أو أُشعره بأني حزين، لأن ما فيه يكفيه.
لكن الحكاية بدأت، كما يقول، من تلك الحقن اللعينة التي بدأ يحقنها لتخفيف وزنه قليلاً، تمهيدًا لدوره الذي حقق فيه نجاحًا ملفتًا في مسلسل “إش إش”، وقد تناولته أكثر من مرة في الإطلالات اليومية خلال شهر رمضان على شاشة قناة “المشهد” في رمضان الماضي.
الحقن أدت إلى شلل في الأمعاء، مما استدعى علاجًا صعبًا وصور أشعة دقيقة. الصور أظهرت ورمًا غير مفهوم في الكِلية، وفحص الورم أظهر أنه ورم خبيث يتطلب استئصال الكِلية.
وقبل موعد عملية الاستئصال، تعرّض من شدة قلقه وحزنه لجلطة، استدعت نقله بسرعة إلى المستشفى، حيث كان لازمًا وبسرعة إجراء عملية قسطرة دقيقة، ثم تركيب “راصورات” في شرايين القلب.
وبعد كل هذا أجرى عملية استئصال الكلية، وبدأ مرحلة التعافي، وكل هذا ولم يتوقف عن العمل، وخصوصًا تقديم البرامج التلفزيونية التي كانت تستدعي حضوره بشكل دائم…
ما هذا؟ أكل هذا ونحن لا نعلم؟ نحن لم نسمع سوى عن شلل عابر في الأمعاء، واعتبرناها حادثة عابرة وتنتهي… لكن كل هذا مرّ بصمت؟
يقول: “لم أشأ أن أشغل الناس بما يحصل لي، ولا أحب نظرات الشفقة في العيون، وكل ما كان يشغلني ألا أترك أسرتي وأولادي وهم ما زالوا بحاجة لي…”
ثم يضيف: “عموماً، شاهدني بعد غد على قناة (دي إم سي) في حلقة مع مدام إسعاد يونس من برنامجها (صاحبة السعادة). ”
بالفعل، شاهدت وسمعت وتأثّرت… وفي الخاتمة، أصابتني نشوة السعادة، التي نعرفها كلنا عندما نخرج من مأزق أو مأساة بنهاية سعيدة، وبأضرار “مقدور عليها…”
في برنامج “صاحبة السعادة” مع إسعاد يونس، أطلّ الفنان المصري الشامل، وكأنّه يروي حكاية عمر، لا مجرد مشوار فنيّ. جلس ببساطته المعتادة، يبتسم، يضحك، ويفتح صندوق ذاكرته على مهل… من بداياته كمغنٍ وملحن وعازف غيتار في فرقة “جيبسي”، إلى نجم درامي وسينمائي، وصولاً إلى تقديم البرامج على شاشة “اليوم – ألفا” من شبكة أوربت.
كل خطوة في حياة إدوارد كانت مليئة بالشغف، وكأنه لا يريد أن يفوّت فرصة واحدة ليروي لنا الحياة على طريقته.
وبالفعل، في هذا اللقاء، قرّر أن يحكي عن الوجه الآخر… وجه الوجع.
قالها من دون استعراض، ومن دون دموع متصنّعة:
“أنا جالي ورم في الكِلية..
كنت قد أخذت حقنة تخسيس تسببت لي بشلل في الأمعاء، وخلال الفحوصات الروتينية لاكتشاف سبب الأزمة، فوجئت بالأطباء يخبروني أن هناك ورمًا خبيثًا في الكِلية، ولا بدّ من استئصالها.
وكأنّ القدر لم يكتفِ، فقبل موعد العملية، داهمتني جلطة في القلب، فدخلت غرفة العمليات مجددًا لتركيب (راصورات).
دراما مكتملة الأركان، لكنها ليست سيناريو، بل واقع حيّ، عاشه هذا الفنان الذي لم يكن يومًا إلا مصدرًا للضحكة الخفيفة.
لكن ما شدّنا أكثر من التفاصيل الطبية، كان أسلوب إدوارد في السرد… خفة ظلّه لم تغب، حتى وهو يروي مراحل مرضه. لم نشعر لحظة أنه يتاجر بالوجع أو يطلب شفقة.
كان صادقًا… موجعًا… ومحببًا كالعادة.
وكأنّ الفن في داخله قرر أن يحوّل هذه المرحلة القاسية إلى عمل إنساني يقدّمه لجمهوره، فيه صدق التجربة وحرارة الحياة.
أما إسعاد يونس، فكانت في هذه الحلقة أمًّا قبل أن تكون إعلامية. جلست معه لا كمذيعة تطرح أسئلة، بل كأخت كبرى تحنو وتواسي وتسأل بحذر من لا يريد أن يفتح جرحه بالكامل.
عرفت كيف تسحب منه الاعتراف، وكيف تُبقي الابتسامة حاضرة على وجهه ووجهنا معًا، حتى في لحظة الألم.
ولكي تضيف على المشاهدين بهجة اللحظة، أحضرت ماركو إدوارد، ابنه وصديقه وسنده في مراحل الوجع. وغنوا معًا، وضحكنا وإياهم، وفرحنا باللحظات السعيدة، وبالنجاة التي كتبها الله لهذا الفنان الجميل..
إدوارد، هذا الفنان الذي أحببناه من دون أن ننتبه، تسلّل إلى قلوبنا عبر أدوار صغيرة، ثم تحوّلت إلى أدوار كبيرة وأساسية وبطولات ملفتة. وأخرج الممثل الكبير الكامن بداخله إلى النور…
بكلمات قليلة حكى عن محنته، لكنه ترك فينا الكثير من الدفء والمحبة.
واليوم، بعدما حكى لنا كيف اقترب من الموت، وأدار له ظهره، تأكدنا أن قلب هذا الرجل ليس من لحم فقط… بل من ضوء.
نجا إدوارد لأنه يحب الحياة… يحب عائلته… يحب الجمهور الذي لم يفارقه.
ونجا أيضًا لأنه قرر أن يحارب الوجع لا بالكلام، بل بالإيمان.
إيمانه أن الحب يمكن أن يخلق معجزة، وأن الفنّ حين يكون صادقًا، يمكنه أن يهزم كلّ حزن.
سألفت لما قد لا يعرفه أحد..
إلى جانب إدوارد، سيدة نبيلة وباسمة وجميلة جداً، سيدة هي السند الحقيقي بعد ربنا، وهي التي تصنع البهجة في حياته. ففي جلستنا في تلك السهرة الجميلة، لم تفارق الابتسامة وجهها، ولا غابت عنها ملامح التفاؤل بأن الله معهم، وأنه يحافظ عليهم بكل رحمة ورفق. ڤيڤيان السيدة الرقيقة، أظنها أساس المحبة والإيمان الذي يغلّف هذه الأسرة وهذا البيت الجميل.
أحبك يا إدوارد، وأحب كل من يحبك، وأنا أعرف جيداً أن كل من يعرفك… يحبك!
حماك الله أنت ومن تحب…







