الست… بين النقد والشائعات!! مدرسة جديدة في السيرة الذاتية السينمائية العربية…
والسؤال الذي يشغل البال غداً: ماذا عن فيروز؟

كتب جمال فياض
ما إن بدأ عرض فيلم «الست» للمخرج مروان حامد في صالات القاهرة، حتى انطلقت معه حملة من النقد العشوائي تكاد تشبه ثورة بلا قواعد ولا أصول… تماماً مثل بالون اختبار كبير انفجر وطال كل من يعنيهم الأمر أو لا يعنيهم. البرامج الحوارية التلفزيونية «التوك شو»، برامج المنوعات، مواقع التواصل الإلكترونية، «تيك توك» و«يوتيوب» و«إنستغرام» و«فايسبوك»، المواقع الإلكترونية، الصحف والمجلات… حملة نقد لم ينلها فيلم أو عمل درامي من قبل، وبهذه السرعة العجيبة. فبعد عروض قليلة بدأت حملات «التقييم»، حتى طغت الأصوات المجهولة الاختصاص على أصوات المختصين والمتخصصين من النقاد والسينمائيين والإعلاميين والصحفيين.
الأمر طبيعي جداً، فالموضوع ليس عادياً، والحدث كبير. إنها «الست»… أم كلثوم، التي شغلت الناس في حياتها وبعد نصف قرن من رحيلها، لم تهدأ ولم تنطفئ سيرتها. وكأنها سيرة وجدانية ورسالة بلا حدود.
الذين فكروا بالموضوع وأنتجوا مثل هذا العمل يمكن اعتبارهم من الأكثر جرأة والأكثر ذكاءً. الجرأة في تناول سيرة أم كلثوم بعد مسلسل من ثلاثين حلقة تلفزيونية (بطولة صابرين، إخراج إنعام محمد علي) نجح وحطم الأرقام القياسية، وما زالت هذه السيرة المصوّرة في ذاكرة الجمهور حيّة لا تزول. وتلاه فيلم سينمائي (بطولة فردوس عبد الحميد وإخراج محمد فاضل) لم يحقق النجاح المنتظر وسقط بالضربة القاضية، وراح ضحية المقارنة بالمسلسل. يأتي بعد هذه التجربة التي ما زالت عالقة في ذهن العامة، فيتجرأ أصحاب «الست» على معاودة التجربة وخوض مغامرة إنتاج فيلم سينمائي وبمبالغ كبيرة، كما يبدو من سخاء الإنتاج، فيُقدِمون على مغامرة… إنها جرأة تُحسب لهم.
أما الذكاء، ففي معرفة من أين الدخول إلى الموضوع. لقد قرر المغامرون مقاربة سيرة «الست» من باب آخر، ومن جهة لم نتوقعها ولم ننتظرها. كل شيء عن أم كلثوم إلا أعمالها الفنية. لا أغاني ولا أفلام، فقط كواليسها وحياتها الخاصة، وهو العالم الغامض الذي لطالما حُكي لنا عنه ولم نصدقه، واعتبرناه مجرد خيال وتكهنات وإشاعات.
تعالوا نحكي لكم الحكاية…
في حفل «الأولمبيا – باريس»، وتحديداً عند «وضحكنا ضحك طفلين معاً، وعدونا فسبقنا ظلّنا…»، يقفز شاب جزائري إسمه كريمو درّاجي من بين الحضور ويرتمي عند قدمي الست في محاولة لتقبيلهما. تحاول صدّه فتسقط على الأرض. يهرع إليها بعض الموسيقيين والمساعدين. تقول أم كلثوم: «إيه ده؟». تقف بمساعدتهم، فيصرخ سيد سالم، عازف الناي: «كمّل… كمّل»… فتكمل الفرقة العزف، ويعلو صوت الناي أكثر مما هو مطلوب، بل يسلطن سيد سالم ويتفنن بانفعال في تكرار الجملة الموسيقية، وتعيد الفرقة «الدولاب الموسيقي» لمرات، حتى تستعيد الست رباطة الجأش وتخرج من المفاجأة وتتابع الغناء، وهي تقول: «هل رأى الحب سكارى…»، وتشير ضاحكة إلى المكان الذي أخرجوا منه الشاب إلى الكواليس، فيجنّ الجمهور ضاحكاً، وتتابع الست الغناء.
يبدأ الفيلم من لحظة إقدام الشاب الجزائري كريمو درّاجي على اقتحام مسرح «الأولمبيا» في باريس، ليحاول تقبيل قدم الست وهي تغني «الأطلال» (في الفيلم وقعت وهي تغني «إنت عمري»). وبدلاً من أن تقف الست كما حصل بالفعل، أفقدوها الوعي للحظات لتبرير عودتها عبر «الفلاش باك» إلى طفولتها والبدايات في عالم الغناء، والأحداث والمفاجآت والحوادث… في سيناريو يشبه لقطة المخرج شريف عرفة في فيلم «حليم» عند لحظة وفاة عبد الحليم حافظ (أحمد زكي).
يتناول الفيلم الحكاية من البداية، كواليس المشوار، الصعوبات والمواقف المؤلمة، المعاناة والعذاب، وكل المطبات البريئة والشريرة في مشوار فتاة ريفية اكتشفوا أنها موهوبة وقرروا أن يستغلوا هذه الموهبة. وكم مرة واجهت الخطر الشديد، وكاد الموت أن ينهي هذا المشوار العظيم قبل أن يبدأ.
بأسلوب رشيق وإيقاع سريع، تتنقل الكاميرا بين مكان وآخر ومشهد وآخر، حتى إن كاميرا عبد السلام سعد أرهقتنا، إلى أن اقتنعنا بأنها حركة لزوم الإيحاء بأننا أمام قصة يصعب الإحاطة بتفاصيلها في وقت محدود وإطار محدد، من دون التفاف سريع على الأماكن والمناظر. كل هذا على موسيقى رفيعة وتوزيع جميل(الفنان هشام نزيه)، وكأن الموسيقى هي صوت الراوي وإحساس المشاهد وبطاقة التعريف عن العمل. نحن هنا أمام سيرة شخصية عالمية سيراهـا العالم كله، لا أهل الدار والبيت.
كنت أفضّل الإستعانة في بعض المشاهد العاطفية بـ”من كتر شوقي سبقت عمري” من أغنية “رقّ الحبيب” بدلاً من التصوير بـ”الليل وسماه” من أغنية “ألف ليله وليله “…
مروان حامد مخرج كبير. منذ «عمارة يعقوبيان» قال كلمته وقلنا فيه كلمتنا. هذا مخرج مختلف، خارج من حالة إبداع خاصة. له إيقاعه السينمائي ورفعته وإحساسه وشخصيته ورؤيته ونظرته. لا يكرر ولا يخرج عن المألوف، لكنه يشعرك أنك تشاهد شيئاً لم نعرفه من قبل. يحرّك حامد ممثليه بشكل مختلف، بشخصيته الإخراجية الخاصة، بمدرسته السينمائية الهوليوودية حيناً والفرنسية حيناً آخر، لكنه يخرج دائماً بشخصيته، وهنا سر المخرج القدير. هذا الفيلم مصنوع ليشاهده العالم، وليس فقط العربي والمصري. فيلم يضع سيرة أم كلثوم في قوالب عالمية لا تقل جمالاً وحرفية عن أفلام «إديت بياف» أو «مايكل جاكسون» أو «داليدا». وأهم ما في هذه السردية أنها لا تخفي الهوامش التي تعودنا اجتنابها في الأفلام والمسلسلات.
أم كلثوم تغضب وتدخن السجائر، وتقلق وتخاف وتبكي وتحب وتأكل وتشرب وتطبخ وتمرض وتؤمن وتصلي، وتعطف وتطلب وتأخذ وتعطي، وتعطف وتقسو وترحم وتعشق وتحب وتغرم وتغازل وتكتب وتنشر وتؤلف وتصحح وتقرّع وتعتذر وتصالح، وتجيد وتخطئ، وتتاجر وتكسب وتربح وتخسر وتساعد وترشو وتدفع وتقبض وتحاسب وتوظف وتعزل وتتحكم وتفرض وتأمر وتؤمر وتهدد وتنفذ وتسامح وتصفح وتنافق وتتحدى… تماماً كما تغني وتسلطن وتستمتع وتضحك وتخطب وتتزوج وتطلّق وتعاني الوحدة. كل أم كلثوم في حياتها الأخرى، التي لم نعرفها أبداً، كانت على بساط البحث وتحت مجهر الكاميرات والعدسات، ثم كانت عرضة للنقاش والتداول. لم يترك أحمد مراد أمراً إلا وذكره وكتبه وأظهره بسرعة فائقة، لكن بتركيز شديد. هنا يكمن سر العمل وسحره.
لم يذكر أحد من الذين شرّحوا الفيلم كل هذه التفاصيل بعمقها، بل إن أغلبهم أخذها من القشور، واعتبر أن الفيلم قال نصف الشهادة: «لا إله…»، إلا الله. هكذا تكتمل الشهادة، ويكتمل الإيمان والمعنى والقصد.
نحن معشر الصحفيين نعرف جيداً كيف تكون التحضيرات لأي عمل فني. نعرف كيف «يشخط» الفنان صاحب العمل بالجميع ليكتمل عنصر النجاح النهائي. كلنا نعرف، والعاملون أيضاً يعرفون، كيف تخرج الإبداعات إلى الجمهور بصورتها النهائية بعد مخاض من المعارك والمشاحنات والخناقات. وما إن ينتهي العمل ويصل إلى الناس، تعود العلاقات إلى أحلى حالاتها. فلا كاتب غاضب من مخرج، ولا مخرج غاضب من ممثل، ولا موسيقي غاضب من مطرب، ولا مطرب غاضب من ملحن، ولا ملحن غاضب من موزع. هكذا هو الإبداع. والذين انتقدوا قسوة أم كلثوم مع موسيقييها، عليهم أن يعرفوا أن ما شاهدوه في هذا الفيلم هو جزء بسيط جداً من حقيقة الأمر. حتى الذين عملوا في هذا الفيلم نالوا بالتأكيد ما نالوه من التقريع والتأنيب والغضب الشديد، حتى وصل إلينا ما وصل.
منى زكي كما دائماً أستاذة وقديرة، كان يمكن الإجتهاد على ضبط الماكياج بشكل أفضل، لكن الأداء الجميل، أخرجنا من حالة البحث عن الشبه، الى حالة الدخول في روح الشخصية، فاقتنعنا أنها هي … أم كلثوم!
لست أدري لماذا التغاضي عن الاقتراب أكثر من الشكل والشبه… خصوصاً الجسم وتفاصيله…
بعض المخرجين، يتركوا للممثل أن يتحدى نفسه ويرموه كما هو للجمهور … وعليه أن يتدبّر أمره ، وهكذا فعل مروان حامد بمنى زكي …
فيلم «الست» جدّد حضور شخصيات فنية لبعض الفنانين في عيون الجمهور. فالأدوار القصيرة جداً تصبح في الأعمال الكبيرة من اختصاص كبار النجوم المحترفين. في السينما العالمية، تحجز الأفلام الكبيرة أصغر الأدوار لكبار الممثلين. هكذا هي السينما وهكذا هو الفن. وكما أطل مارلون براندو وآل باتشينو وروبرت دي نيرو ويسرا ومحمود المليجي في أدوار قصيرة ليبهروا، أطل نجوم السينما المصرية أحمد حلمي وآسر ياسين وكريم عبد العزيز وعمرو سعد وأحمد صالح، واللبناني طارق تميم، في هذا الفيلم ليضيفوا الكثير بأدوارهم القصيرة. أما سيد رجب فله التقدير الكبير، وهو العلامة الفارقة في كل عمل يحضر فيه.
فيلم «الست» هو علامة فارقة في سينما السيرة الذاتية التوثيقية. وهذا النوع من الأعمال هو الأصعب. كيف تختصر مشواراً هائلاً محفوراً بتاريخ وذاكرة شعوب توزعت من المحيط الأطلسي وشمال أفريقيا إلى المحيط الهندي والخليج العربي في غرب آسيا، مروراً بالبحر الأبيض المتوسط، بدقائق سينمائية؟ رغم ذلك، استطعنا أن نشاهد ما لم نشاهده من قبل في مسلسل الثلاثين ساعة، وفيلم الساعتين السابقين، ومئات الساعات الوثائقية. ومع هذا، أغفل «الست» حكايات وحكايات.
من اليوم، صار «الست» عنواناً ومنهجاً لأفلام السيرة الذاتية لشخصيات عربية، من حيث كيفية التناول وأسلوب الطرح.
سؤال فضولي كبير يشغل بالي في الغد القريب… ماذا عن فيروز؟



