اخبار الفنكتب جمال فيَاض

بسام شليطا … يستعيد الأندلس العربية، بالموسيقى والرقص والجمال …

كتب جمال فياض

لم أكن أعرف شيئاً عن هذا الفنان الذي أطل منذ مدة على عالم الموسيقى، سوى أنه مجرّد إسم انضمّ الى أسماء من الجيل الجديد… بسام شليطا، عازف بيانو شاب، يتردّد إسمه هنا وهناك وفي بعض الأماكن، الى أن لبيت دعوة من الصديقة والزميلة مي زيادة لمشاهدة وسماع هذا الشاب، والتعرّف الى ما يقدمه من عرض موسيقي، تحدّثت عنه الألسن ولم نره بعد .
في كازينو لبنان ، وعلى المسرح الكبير حيث وقف الرحابنة ومسرحياتهم منذ زمن بعيد الى وقفة جورج خباز ومسرحيته مؤخراً … مروراً بأسماء عالمية أتت من جميع الجهات، وقدمت أبداعاتها هنا في هذا المكان المختار الحبيب. يأتي بسّام شليطا بتوليفة ذكية وفانتازيا جميلة، فيخلط الشرقي بالغربي الأسباني،ويحتفظ بالسرّ الفني السحري،ويتكوّن شريطه الموسيقي المنسجم، فنشعر بالقرب والانتماء الذي ربط ذات زمن بيننا كعرب وبين إيبيريا الجميلة… وعلى مسافة ساعة ونصف من زمن أندلسي غابر، نغنّي ونغتني ونرقص ونصاب بالنشوة الكاملة، فنختم كل فقرة بصرخة “أوليييه” مع تصفيق مضبوط على إيقاع إسباني مجنون .
أخذنا بسام شليطا في رحلة عبر الزمن بدأها بتمهيد على البيانو، وقدّم معزوفة من سحر وجمال، ببراعة واضحة، فحافظ على اللهجة الإسبانية الأصيلة، وتنقّلت أصابعه على مفاتيح البيانو وكأنه يداعب أوتار الغيتار… هو قارب معزوفة “أستورياس” ولم يدخل فيها ، تلك التحفة التي اقتبسها فريد الأطرش من موسيقار إسبانيا العظيم إيزاك البينيز … يبدو أن بسام أراد أن يتحداه في عقر مسرحه، فعزف على البيانو من تأليفه ما يريدنا أن نعترف به أنه يضاهيه… وقد فعل، ونجح ولفت الأسماع والأنظار . هنا يقع بسام في فخ النجاح، فهو الآن أمام امتحان كبير، ماذا سيقدم بعد هذا الجمال ؟ أليست مسؤولية صعبة أن تبدأ من مكان رفيع؟
على مسرح “فانتازيا الأندلس” وقفت ماكارينا راميريز تلك الحسناء “البيلاورا” بجمالها وحرفيتها وموهبتها ورقصتها الواثقة كما الرمح المذهّب في معركة حامية، فأدت رقصاتها من الفلامينكو فأبهرت وسحَرت وانتزعت التصفيق العاصف من جمهور تبناها منذ الرقصة الأولى… لكن منافستها بالغناء لم تكن أقل موهبة منها بصوت ساحر فيه بحّة الأندلس وحشرجة العشاق المقهورين وصرخة المحبين الموجوعين، صوت إينما- لا كاربونيرا لم يكن عابراً ، بل أقام في المشاعر والأحاسيس، وفرض هيبته علينا بكل جبروت ودفء … ما أجملهما هذا الثنائي الأندلسي الجميل …
لم تكن الجميلة الموهوبة سيرينا الشوفي أقل سحراً ، بل ضاهتهما بالصوت والحضور وأناقة الأداء، فاكتمل النصاب بينهن،وأمام نظرات بسّام السعيدة بأنهن فزن بالمتوقع منهن…
على جبهة أخرى، يحتلّ العازفون مكانتهم وحرفيتهم، فيبدع كارلوس للاڤ على الغيتار ومانويل سييرّا على الغيتار باص، وخافيير رابادان على البيركيشن… فيقدموا عرضاً متناغماً بنغمات وصولوهات وإيقاعات بأجمل ما يمكن ، ولكن مهلاً ، سنفرد مساحة خاصة لعازف جاء يسحرنا ويمضي تاركاً لنا أن نتخيّل حجم إبداعه الجميل ويبهرنا فنصفق له طويلاً ونقف دون أن نشعر، لموهبته وقدرته على ترجمة إحساسه الجميل بالأنفاس والأنامل وهواء الحب، إنه عازف الصولو على الكلارينيت، بل ساحرها ومطوّعها ريلو بالقان… هذا الشاب الأسمر، الآتي من رومانيا وفيه ملامح السمر في مصر والشرق، يجذبنا إلى آلته بعزف شرقي عربي خالص، وكأنه منّا ونحن أهله… يغازل ألحان سيد درويش وزوروني كل سنه مره ، ويستعيدها ويلاعبها فينسى أنه من مكان بعيد، ولا نراه إلا منّا ومن موسيقانا…
رحلة موسيقية الى الأندلس مرّت بالغناء فتزيّنت بلبنان ومصر وتونس … وفي كل مكان كانت تبصم نغمة ولحن، وتنثر زهراً ومتعة …
إطلالة الفنان مازن كيوان بدور الراوي، كانت أكثر من ملفتة، بل ذكية ومفاجِئة جداً ، وكان في مكانه الصحيح تماماً، بشكله وشخصيته، وإن كانت إطلالته غير متوقعة(بعدما اضطر صاحب الدور الأصلي للغياب لأسباب خاصة)، لكنها كانت رمية جميلة من مفاجآت الصدفة.
هذا البسّام الجميل، رمانا بسهم المفاجأة الجميل فأصاب فينا خلايا الإعجاب وحرّكها، وأشعل فينا الحنين الى زمان الوصل في الأندلس…
سننتظر منه المزيد، والكثير من الجميل…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى