اخبار الفنكتب جمال فيَاض

تسونامي فضل شاكر… الجمهور سامح، فماذا عن القضاء؟

Screenshot

كتب جمال فياض

عاد فضل شاكر ليضرب من جديد… واجتاح كل ما في طريقه، من كبار وصغار، ومن خبّأوا الأسرار…
منذ حصلت مع فضل شاكر تلك الكارثة الفنية التي دمّرت حياته الفنية والشخصية والإنسانية والفكرية بشكل كامل، وبطريقة “طربقت الدنيا” على رأسه ورؤوس من كانوا حوله، ونحن نقول: أخطأ فضل، وارتكب خطيئة العمر.
وما كان يؤلم أكثر، أننا كنا نرى ما سيصل إليه قبل أن يدخل المتاهة، وكم رجوناه أن يعقل ويهدأ ويفكّر بحكمة أكثر، لكنه لم يقتنع، ولم يتراجع، حتى نفّذ ما كان في باله، وكانت النتيجة كارثة ما زال يعيش تبعاتها وآلامها.

أذكر أن آخر لقاء بيننا كان في العاصمة القطرية، ذهبت إليه في جناحه في فندق “شيراتون – الدوحة”، ويومها أخبرنا أنه مقبل على قرار سيغيّر حياته، وأنه سيتوب إلى الله توبة نصوحة، وسيعتزل الغناء.
لن أعيد الجدل الطويل الذي دار بيني وبينه، لكنني وصلت إلى حالة انفعال بحضور شقيقه، وقلت له: “أبوس إيدك بلاه هذا التفكير… بدك أبوس إيدك؟ أرجوك لا تفعل. أنت صديقي وأخي، وأعرف أنك ذاهب إلى مصير أسود لا نهاية له سوى الكارثة”…
وظلّ يسوق بعناده، حتى بدأ مرحلة المنازعة، بالتظاهرات والظهور الإعلامي السلبي…

وأذكر أن أكثر من موسيقي من فرقته اتّصل بي مستنجدًا، طالبًا أن أبقى على موقفي لإقناعه بعدم الاعتزال، لأنهم تفرّغوا للعمل معه، ولديهم مسؤوليات وأسر تعيش على حفلات فضل. وكانت النداءات تتكرّر، حتى شعرت وكأنني الوحيد الذي “بيمون” على فضل، في الوقت الذي كان قد تخطّى كل مراحل إمكانية العودة.

وأذكر بعد تظاهرة ساحة البرج الشهيرة، التي غنّى فيها “سوف نبقى هنا”، اتّصل بي لتوضيح أمر ذكرته نشرة الأخبار في تلفزيون “الجديد”، وطلب مني أن أوضّح الفكرة التي نقلوها على غير مقصودها…
لكنني استغللت الاتصال لأعيد التشديد على أنه يكفي ما حصل، فليُعد حساباته. قال لي: “خلص، هو قرار اتخذته، ولا عودة عنه مهما كانت التضحيات”.
حتى البيان الذي طلب مني إعداده، قلت له: سأكتبه وأتّصل بك لنقرأه معًا في حال أردت تعديل أي شيء فيه، فقال: “أنشره ولا تسألني، أنت تعرف أكثر مني بما يجب قوله”.

ومنذ لحظة الاتصال، انقطعت بيننا كل تواصل، وكنت أتابع الأحداث وأضرب كفًا بكف، والوجع في القلب على المصير الذي وصل إليه هذا الفنان، صاحب الإحساس اللطيف…

فلنقفز فوق الزمن، ونعود إلى “إلا وأنا معاك… بحسّ بروحي طايرة”…
فجأة، تغيّرت الظروف، وانقلبت الأمور، وبدأنا نسمع من فضل بعض الأغاني، يسجّلها في مقرّ إقامته الاضطراري، ويطلقها عبر “يوتيوب” والتواصل. وفي كل مرّة يزداد ألمنا وأسانا…

إلى أن أطلّ علينا بشكل جدي ورسمي، وأطلق الصوت… مجموعة أغانيه الجديدة في ألبوم كامل.
وبدأت حركة التعاطف مع فضل، سبقها الكثير من الحديث عن براءته، وعن عدم مسؤوليته عن التهم العشوائية التي طالته.
فهو حاصل على براءة من المحكمة العسكرية مبنيّة على تحقيقات دقيقة، ومع هذا ما زال يتّهمه بعض الجمهور، إما عن جهل، وإما عن غلّ، بدم الجيش اللبناني.

فلنترك الشأن القضائي والقانوني للقضاء وأهل القانون…
لكن تعالوا نحسبها: هل من المعقول أن يطيح فضل بكل هذه الألبومات والأغاني الفردية (السنغلات) بمجرّد أن أطلق أغنيته، وتلاها ألبومه، ثم أغنية الديو مع محمد فضل شاكر؟
ألهذا الحدّ ما زال فضل حاضرًا فنيًا؟ رغم الغياب الطويل؟
ماذا يقول الآن هؤلاء الذين فاتهم أن في المجتمع الفني مواهب ما زالت تقدّم أغاني راقية وجميلة؟

سأقول لكم ما فاتهم: فاتهم أن يعرفوا أن الإحساس، والشطارة في استخدامه بالشكل الصحيح، يجعل كل الأغاني روائع، ويجعل كل الألحان تحفًا موسيقية.
الإحساس هو الذي يضيف للأغاني الزينة والحلاوة والنكهة والطعم والذوق…
إحساس فضل أعلى من أغلب الفنانين، وأعلى بكثير من بعض الذين ادّعوا أنهم مغنّين.

لقد اختار فضل أغانيه ببساطة وعناية. لم يخترع طريقة لاستعراض قوة الصوت، ولم يحاول أن يثبت لنا أن صوته ما زال جبارًا ينافس به أعلى القمم الجبلية…
هكذا، ببساطة وهدوء، عاد فضل شاكر. قدّم أغنية، ثم ثانية، ثم ديو… والباقي على الله وعلى الجمهور…

فأشعل النار في الهشيم، و”طربقت” أغانيه الدنيا على كل من طرح ألبومًا وأغنية وكليبًا، ودفع دم قلبه للترويج لها…

اختلفنا ونختلف وسنختلف: هل فضل شاكر مدان؟ أم بريء؟ جاني؟ أم مجني عليه؟ ظالم؟ أم مظلوم؟
تصارعنا لأكثر من عقد من الزمن على هذا الموضوع، وسنظلّ نصارع الخلاف سنوات وسنوات…
لكننا لا بد أن نتفق: أن فضل شاكر حالة فنية غنائية غير عادية. أخطأ بحق موهبته؟ أكيد. لكنه أخطأ أكثر بحق جمهوره ومحبّيه…

جمهوره سامحه، هكذا رأينا وسمعنا، ابتداءً من أبسط موقع إلكتروني على تطبيقات التواصل الاجتماعي، إلى “مسرح مهرجان قرطاج” في تونس… إلى الشارع وفي البيوت.

بانتظار أن نعرف: هل سيسامحه الزمن؟ والقضاء؟ ويعفو عنه؟
أظنه بات يستحق العفو، لأنه دفع الثمن كما استحق، بل وأكثر…

ولا عزاء لبعض الذين أفرحتهم أخطاؤه، وتُزعجهم كلماتنا…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى