جنّاز “روكوييم” موزار … برعاية هبة القوّاس وقيادة لبنان بعلبكي وبركة نواف سلام!

كتب جمال فياض
إحدى ألطف الدعوات تأتيك من سيدة لطيفة كما النغمة، معروفة بذوقها هي الدكتورة هبه القوّاس، رئيس المعهد الوطني العالي للموسيقى (كونسرڤاتوار). دعوة، ستترك كل مواعيدك لتلبيتها، دعوة وموعد مع الموسيقى. وبرعاية وحضور رئيس مجلس وزراء لبنان نواف سلام، وحشد من الشخصيات السياسية والسفراء، التقينا في صالة حفلات القصر الحكومي، في أولى حفلاته بعد ترميمه من آثار انفجار المرفأ المفجع. هنا اجتمعت فئة من المدعوين، لم تتجاوز الاربعماية شخص، فقط ليستمعوا الى التحفة الموسيقية الخالدة للموسيقار الخالد موزار، مع فرقة موسيقية بمنتهى الفخامة بقيادة المايسترو الكبير لبنان بعلبكي.
إنها الأوركسترا الفلهارمونيّة الوطنيّة اللبنانيّة. التي منذ بضعة أعوام، صارت بالمستوى الذي يليق بإسم لبنان. رغم أنها تستضيف أحياناً بعض الموسيقيين الأجانب، لكنها تبقى بالمستوى الذي يحجز للبنان مكانته على خارطة الفرق الموسيقية الكلاسيكية العالمية.
الموعد مع “روكوييم” موزار… مع أجمل وآخر ما تركه فولفغانغ أماديوس موزار من موسيقى، بل هي موسيقى الجناز الأخير الذي رحل ولم يكمله..
تعالوا أحكي لكم قليلاً عن هذه التحفة الموسيقية التي اجتمعنا لها نحن عشاق الموسيقى الكلاسيكية، ومعنا جاء بعض الذين حضروا للبروتوكول فقط.
موسيقى “روكييم” (Requiem ) لموزار لها حكاية غامضة تستحق أن تُروى..
بدأ موزار بتأليف هذا العمل عام 1791، وكان مريضًا وعلى أواخر الأيام من عمره القصير.، وهو كان يشعر بأن نهايته اقتربت. ويقال أن شخصًا غريبًا (كان في الحقيقة مرسلاً من أحد الأشخاص ، ويريده أن يضع موسيقى بإسم زوجته المتوفية). وطلب هذا الرسول من موزار تأليف قدّاس جنائزي خاص، و بسرية تامة، لكنه لم يُفصح عن هويته. يقال أن موزار اعتقد أن هذا القدّاس المطلوب سيكون لوفاته هو. وكان يكتب هذه الموسيقى، وبداخله إحساس أنه سيكون لجنازته ولرقيمه الأخير…
وبالفعل، لم يُكمل العبقري الشاب موزار العمل، وتوفي قبل الانتهاء منه. فأكمل تلميذه فرانز زوسماير الأجزاء الناقصة بناءً على ما تركه أستاذه من مسودات. وصارت هذه الموسيقى هي رمز الموت نفسه وكانت آخر أعماله .
تقول الإحصاءات أن هذه الموسيقى هي أكثر موسيقى تعزف في العالم كل عام، بالإضافة الى السيمفونية الخامسة للعبقري الآخر لودڤيغ ڤان بيتهوڤن…
ونحن نعيش أيام الفصح المجيد، جئنا نستمع لهذه الموسيقى، وهذه التحفة.
في بداية الحفل، ترحب بنا الدكتورة هبه القوّاس أجمل ترحيب، وبكل الأناقة والشياكة، ترمي علينا عطراً من كلمات، تحوّل اللقاء من جوّ البرتوكول المقبوض عليه، الى لحظة فرح وألفة، ثم تدعو رئيس الحكومة، ليرحب بنا، فيستعير منها ابتسامة الترحيب ويقلب الجوّ الى صحبة حلوة، فتبتهج صاحبة الدعوة بكسر الجمود، وتنطلق الموسيقى …
المايسترو لبنان بعلبكي، هذا الأستاذ المتمكّن الذي لا ينافسه غير رفاقه من العالميين في الفرق العالمية في برلين ولندن وميونيخ وموسكو… والكلام ليس كما السمع. فقد استمعنا الى موسيقى متقنة لا تشوبها شائبة، وبأربع بروڤات سبقت الحفل، قدّم لنا هذا الإعجاز الجميل، حتى حسبناها موسيقى مسجّلة في الستوديو. ومع كورال جامعة اللويزة الذي يقوده الأب خليل رحمة، تصبح الرهبة في أعلى مراتبها… لكن ماذا بعد؟ لا تسألوا… فقد اكتملت الحلقة بأصوات عبقرية وأداء غير عادي أبداً من التينور بشاره مفرّج، والباريتون برونو خوري، والسوبرانو ماري جوزيه مطر، والميزو سوبرانو ميلاني أشقر … بهذه الأصوات، تكتمل الحكاية، ونصبح في عالم آخر ، في عالم ساحر فوق سحاب من خيال …
بساعة واحدة فقط من الموسيقى، يقفز لبنان ليستعيد ريادته الثقافية، فيمسح جيلٌ من الموسيقيين عقوداً من التراجع والتراخي الثقافي.
بساعة واحدة فقط من الموسيقى الكلاسيكية، يثبت هؤلاء الشباب من موسيقيين وكورال وقيادة الفرقة الفيلهارمونية، وإدارة ورعاية جادة ودؤوبة من رئيسة المعهد العالي للموسيقى، أن لبنان سيظل في المقدمة، والطليعة ويحتل الريادة.
وَعَدَنا الرئيس نوّاف سلام، ووعدتنا الرئيسة هبة القواس أن هذا الحفل ستليه حفلات، وستكون لنا الكثير والمزيد من اللقاءات والإبداعات…
ونحن سنظلّ نؤمن، أن هؤلاء صنّاع الثقافة والبهجة، هم فقط صنّاع الأوطان وتاريخها ومستقبلها …
شكراً، هبه القوّاس، وشكراً لبنان بعلبكي …
وشكراً لكل من يعيد بناء سمعتنا الحضارية، التي نرفض أن نتركها تموت وتندثر …



