حدث رحباني رهيب … في مدرسة يسوع ومريم قرنة شهوان !!









كتب جمال فياض
تلقيت دعوة جميلة ولطيفة من مدير “مدرسة يسوع ومريم” الخوري موسى الحلو، لحضور عرض مسرحي احتفالاً بمئوية الراحل الكبير منصور الرحباني، ويقدم تلاميذ وطلاب المدرسة عرضاً لمشاهد مختلفة ولوحات فنية من مسرحية “صيف ٨٤٠” تحت عنوان “وحياة اللي راحوا”…
يوصل لي الصديق أنطون يزبك الدعوة، مع تمنٍّ خاص بتلبية الدعوة، لأن العرض يستحق، وبحضور الرحابنة الجدد، أبناء منصور الرحباني، مؤلف وملحن المسرحية التي نعتبرها واحدة من التحف المسرحية الغنائية اللبنانية…
الدعوة وصلت، وتلبيتها صارت واجباً، واعتبرتها مجرّد مشاهدة لعمل فني “شغل مدارس”. يعني من الآخر، مجاملة لتشجيع الطلاب لا أكثر.
المشوار إلى “قرنة شهوان” جميل وممتع، البلدة القريبة من بيروت نسبياً (حوالي ٢٠ كلم)، مشهورة بطبيعتها وأشجارها، والطريق إليها مثل عابر الطريق إلى جنة من جنان لبنان. الأشجار والمنازل والحدائق التي أرخت ورودها على أسوارها، وكأنها تلقي التحايا على كل من يعبر هذا الطريق… شيء ممتع فعلاً حتى تصل إلى المدرسة، الأثرية البناء، والحميمة الهندسة، حتى ترى أسوارها تحييك وتأخذك بالأحضان…
من هناك؟ طبعاً… الأهالي. فالعرض الذي أتينا لمشاهدته من بطولة تلاميذ المدرسة، كباراً وصغاراً وأطفالاً. كل الوجوه باسمة، كل السيدات أنيقات وجميلات، والضحكة ترحّب قبل اللسان، والعيون تصافح قبل الأيدي. عالم من الرقيّ اللبناني تراه بأم العين… بصراحة؟ لا أحب إلى قلبي من مثل هذه “الجمعات”… لبنانيون حقيقيون، لا شيء في قلوبهم ونظراتهم إلا الحب والطيبة… وبالتعبير المصري “حاجة تفتح النفس”…
دخلنا وجلسنا وبدأ العرض، بعد تقديم وترحيب بالحضور من مسؤولة العلاقات العامة في المدرسة إلسي أبو جوده … المفاجأة الأولى كانت أن “الممثلين” التلاميذ حفظوا النصوص التي افتتحوا بها العرض، بلا أي غلطة. ثم دخلنا في لوحات تمثيلية وغنائية واستعراضية متنوعة، كلها لوحات من “صيف ٨٤٠”… ملابس وأكسسوارات وديكورات كلها مطابقة للمواصفات، وصنعت خصيصاً للعرض. ببساطة العروض المدرسية، لكنك ستنسى، وتعيش العرض وكأنه العرض الأصلي. حتى القفشات الضاحكة التي يطرّزها الرحابنة في مسرحهم، حفظها التلاميذ وضحكنا لها من القلب. بلا أخطاء، وبمواهب بسيطة لكن بأداء متقن، مثّلوا ورقصوا وغنّوا مباشرة… نعم، الغناء المباشر كان على الموسيقى المسجّلة، لم يلجأوا للغناء المسجّل، فاقتربنا أكثر من العرض…
مواهب جميلة، بل براعم مجتمع فني نراه بدأ يتشكّل، وسننتظر من هذا الجمع الكثير من نجوم الغد… خصوصاً تلك الصبية التي لعبت دور “ميرا – هدى حداد”، وذاك الفتى الذي لعب دور “سيف البحر – غسان صليبا”، و”أبو الياس – فايق حميصي”… مواهب بالجملة… والفرقة الراقصة الاستعراضية، التي أدت أجمل الأداء، ومن بين الصبايا بعض من يلفت النظر بالرشاقة والحرفية، وتمنّيت لو عرفت أسماءهنّ كلّهم لأسميهنّ…
عرض جميل، ومبهر، وبأدوات وإمكانيات وخبرات بدائية، استمتعنا وفرحنا وغنّينا وصفّقنا طويلاً لهذا العمل وهذا الجهد وهذه الاحتفالية “الرهيبة” بمنصور الرحباني…
ولم تنتهِ الحكاية عند العرض المسرحي الغنائي الطويل، بل منحنا هذا الحشد من “التلاميذ الفنانين” عرضاً ختامياً لرائعة جبران خليل جبران والرحابنة “المحبّة”، وشارك في هذا العرض تلاميذ مدرسة “إيراپ” لذوي الاحتياجات… وقدّموا عرضاً ختامياً نال الإعجاب الكبير.
في الختام، وعند تحية الجمهور من المشاركين بالعرض والمخرج الفنان طوني كاحوش، ومدربة الرقص جنيفر أنطون وأستاذ الموسيقى طوني بصار والمشرفين عليه، نال المشاركون تحية وتصفيقاً وحرارة توازي ما نالته المسرحية الأصلية عند عرضها (وكنت في حينه بين الحاضرين)، وبدل منصور الرحباني، صعد في هذا العرض غدي وأسامه الرحباني، لينالوا التصفيق الذي استحقّه منصور وهو حيث هو، ومجمل أعماله…
إنه حدث رحباني رهيب… هناك في “قرنة شهوان”، حيث المكان برعاية “يسوع ومريم”، وبعناية أسرة من الإداريين تعرف كيف تقدّر الفنون، وكيف تبني فيها النفوس والمواطنية التي لا تعصّب فيها ولا عصبية. ونحن لم نسمع في الكلمات التي أُلقيت على المسرح، إلا دعوات للتآخي والتضامن بين اللبنانيين، وإشارات إلى أن لبنان، بكل مكوّناته، وحدة لا تتجرّأ… مهما اختلفت الرؤى، يبقى الوطن هو المكان والملاذ…
إن تشجيع التلاميذ في مدارسنا على استعادة الأعمال المسرحية والغنائية الرحبانية، فيه تربية وطنية وفنية وثقافية لتلاميذنا والأجيال القادمة، وتعيدنا إلى لبنان سالمين وطنيين مسالمين، ولبنانيين…
فخور أنا كلبناني، أن في وطني مدارس بهذه المسؤولية الوطنية…
يمكن مشاهدة لقطات من هذا العرض على الرابط التالي:



