خاص – “Liste de Mariage” … ضحكة لبنانية في زمن الأزمات

خاص – أضواء المدينة
حسن شرف الدين
بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة التي أنهكت لبنان وأرهقت تفاصيل الحياة اليومية فيه، من الانهيار الاقتصادي إلى القلق الأمني والاجتماعي، تبدو العودة إلى صالة السينما فعلًا يتجاوز الترفيه ليصبح مساحة مقاومة ثقافية ونفسية. في هذا السياق، جاء إطلاق فيلم «Liste de Mariage» ليشكّل لحظة مختلفة، ولو مؤقتًا، في مشهد مثقل بالضغوط، إذ أعاد إلى الجمهور اللبناني شيئًا من البسمة التي غابت طويلًا، عبر عمل كوميدي رومانسي لا تتجاوز مدته الساعتين، لكنه نجح في خلق مناخ من الفرح الخفيف والحنين إلى زمن كانت فيه الشاشة الكبيرة ملاذًا جماعيًا.
في Grand Cinema، وبحضور أبطال العمل وصنّاعه إلى جانب عدد من الفنانين والإعلاميين، أُطلق الفيلم رسميًا وسط أجواء حملت مزيجًا من الحماسة والتأثر. لم يكن العرض مجرد مناسبة فنية عابرة، بل بدا كأنه إعلان تمسّك بالحياة وبفكرة الاستمرار، في وقت باتت فيه السينما اللبنانية مغامرة إنتاجية حقيقية في ظل تراجع الإمكانات وإقفال عدد من دور العرض وتبدّل أولويات الجمهور الذي تحاصره الهموم اليومية.
موقع «أضواء المدينة» كان من أوائل الحاضرين، والتقى فريق العمل الذي تحدّث عن تجربته بحماسة واضحة. الممثلة ريتا حايك كشفت أنها تؤدي في الفيلم شخصية “لانا”، مؤكدة أن القصة تحمل مفاجآت جميلة وصدمات إيجابية تضيف إلى العمل طابعًا إنسانيًا دافئًا، بعيدًا عن الكوميديا السطحية.
وأوضحت أن الفيلم ينتمي إلى نوع “الرومانس كوميدي”، وهو اللون الأقرب إلى قلبها، رغم أن الجمهور لم يعتد رؤيتها في هذا الإطار سابقًا. بالنسبة إليها، كان النص منذ قراءته الأولى مؤشرًا إلى عمل مختلف، يحمل خفة ظل ممزوجة بعمق عاطفي يجعل المشاهد يضحك ويتأثر في آن.
وعن أجواء التصوير، بدت ريتا متأثرة وهي تؤكد أن السعادة التي رافقت فريق العمل خلال تنفيذ الفيلم ستصل حتمًا إلى الجمهور، معتبرة أن الطاقة الإيجابية التي أحاطت بالكواليس تنعكس بوضوح على الشاشة.
كما توقفت عند ثنائيتها مع كارلوس عازار، مشيرة إلى أن الكيمياء بينهما لم تكن مصطنعة أو مبنية على حسابات تقنية، بل نابعة من صداقة حقيقية وتناغم إنساني يلمسه الجمهور دومًا ويتفاعل معه عبر مواقع التواصل الاجتماعي. هذا الانسجام، بحسب تعبيرها، يتخطى حدود المشهد المكتوب ليصل إلى مساحة من العفوية والصدق.
ولم يغب عن الحاضرين واقع ريتا الشخصي خلال التصوير، إذ خاضت التجربة وهي في مراحل متقدمة من الحمل. ورغم ما قد يظهر من ملامح تعب طبيعية، أكدت أنها عاشت التجربة بتحدٍّ جميل، معتبرة أن الاستمرار في العمل في هذه المرحلة يعكس شغفها الحقيقي بالمهنة التي تعشقها، وإيمانها بأن الفن لا ينتظر الظروف المثالية كي يولد. بالنسبة إليها، كان الحمل جزءًا من التجربة لا عائقًا أمامها، بل ربما أضفى عليها حساسية إضافية انعكست في أدائها.

من جهته، عبّر كارلوس عازار عن حماسه لتقديم شخصية “جديدة كليًا” عليه، معتبرًا أن هذا الدور يقدّم جانبًا مختلفًا من إمكاناته التمثيلية، بعيدًا عن القوالب التي قد يضعه فيها الجمهور أحيانًا. وأشار إلى أن لقائه مع ريتا في هذا العمل يأتي ضمن صيغة مختلفة عمّا اعتاده المشاهد في أعمالهما السابقة، سواء من حيث طبيعة العلاقة الدرامية أو المسار الذي تأخذه الشخصيتان داخل الحبكة. بالنسبة إليه، يشكّل الفيلم فرصة لإعادة اكتشاف نفسه أمام الجمهور، في إطار خفيف لكنه غير خالٍ من التحدي.
أما مخرجة العمل رندة علم، فقد وضعت الفيلم في سياقه الأوسع، مؤكدة أن المشروع لم يكن في الأصل فيلمًا سينمائيًا، بل مسلسلًا دراميًا، إلا أن الظروف التي مرّ بها البلد دفعت الفريق إلى إعادة التفكير في الشكل الأنسب لتقديم العمل. في ظل واقع يرزح تحت ضغوط يومية قاسية، بدا خيار تحويله إلى فيلم خطوة واعية لتقديم جرعة مركّزة من الفرح، تُنسِي الناس آلامهم ولو لساعتين. وأشارت إلى أن العودة إلى السينما، حتى في أصعب الظروف، تمثل بالنسبة إليها موقفًا شخصيًا ومهنيًا، قائلة إنها “تتنفس سينما”، وإن الاستمرار في الإنتاج، رغم المخاطر، هو شكل من أشكال الإيمان بالبلد وبجمهوره.
حديث رندة علم يعكس معضلة السينما اللبنانية اليوم: بين مغامرة الإنتاج وضرورة الدعم، وبين الواقع القاسي والرغبة في صناعة أمل جماعي. فإطلاق فيلم في هذه المرحلة لا يعني مجرد عرض عمل فني، بل إعلان تمسّك بثقافة الصورة وبفكرة اللقاء الجماعي في صالة مظلمة يتشارك فيها الناس الضحك والتصفيق والانفعال. وفي بلد اعتاد أن يحوّل الأزمات إلى دافع للإبداع، يبدو «Liste de Mariage» محاولة لإعادة التوازن إلى علاقة الجمهور بشاشته، عبر قصة رومانسية كوميدية تختار الخفة المدروسة بدل الاستسلام للثقل العام.
قد لا يغيّر فيلم واحد واقع بلد بأكمله، لكنه قادر على أن يفتح نافذة صغيرة يدخل منها الهواء. وفي زمن باتت فيه الأخبار اليومية مثقلة بالتوتر، تبدو ساعتان من الضحك الصادق فعلًا يستحق المحاولة. هكذا يراهن «Liste de Mariage» على أن السينما، حتى في أحلك الظروف، قادرة على أن تمنح الناس مساحة أمل، ولو كانت بحجم شاشة.




