رفيق حبيقه في ذكراه … تكريم كبير في الجامعة الأميركية







كتب جمال فياض
في ليلةٍ استثنائية داخل قاعة ال“أسمبلي هول” في الجامعة الأمريكية في بيروت، اجتمع عشّاق الموسيقى اللبنانية لإحياء ذكرى المايسترو والملحن الراحل رفيق حبيقة، أحد أعمدة التلحين والتوزيع في لبنان والعالم العربي. الحفل الذي جاء ضمن “برنامج زكي ناصيف للموسيقى”، حمل عنوان “تحيّة إلى رفيق حبيقة ورفاقه”، وقدّمته إدارة الجامعة في إطار احتفالها المستمر بصون التراث الموسيقي وإلهام الأجيال الجديدة.
امتلأت القاعة قبل بدء الأمسية بوقت طويل، فيما بدا الشغف واضحاً على الجمهور الذي حضر من مختلف الفئات العمرية. حضور رسمي تمثّل بمشاركة ممثلة عن وزير الإعلام اللبناني الدكتور بول مرقص، إضافة إلى جمع من الإعلاميين والمتابعين والمهتمين بالتجارب الموسيقية الأصيلة. أمّا على المسرح، فكان المشهد بحدّ ذاته احتفالاً فنياً راقياً، حيث تولّى قيادة الأوركسترا المايسترو فادي يعقوب، بإحكام وحضور تطبعه الخبرة الطويلة، بينما أدارت الكورال المديرة منال بوملهب التي نجحت في صوغ أجمل أداء جماعي متين ومنضبط.
بدأت الأمسية بعزف أوركسترالي لمقطوعة موسيقية من روائع حبيقة(رقصة من ألبوم موسيقى للراقصة الراحلة ناديا جمال) والتي رسمت الملامح الأولى لإحساسه التأليفي القائم على المزج بين العاطفة الشرقية والعمارة اللحنية الدقيقة. ثم توالى دخول المغنّين والمغنيات الشباب الذين أعادوا بأصواتهم وتعابيرهم روح ذلك العصر الذهبي الذي عاشه حبيقة مع كبار الفنانين.
قدّم حسن هيدوس إحدى أجمل لحظات الأمسية من خلال أغنية “يا هوى الحلويين”للراحل وديع الصافي، بصوته الدافئ المليء بالحنين، أعاد هيدوس روح الأغنية إلى الضوء بطريقة مُتقَنة تجمع بين الالتزام بالأصل وبين الإحساس الشخصي الذي يميّز أدائه. بدا كأنه يمشي بخفة فوق الجملة اللحنية، محافظاً على عبَق الزمن الجميل مع لمسة شبابية مشرقة.
وظهر حسن هيدوس مجدداً في أغنية “دق باب الحب”(من أغاني غسان صليبا)، فكرّر نجاحه بحضور صوتي واثق وقدرة لافتة على نقل العاطفة من دون مبالغة. امتلك المساحة الصوتية ببراعة حيّة، فبدت الأغنية معه كما لو أنها تُعاد إلى الحياة من جديد. استطاع أن يخلق توازناً بين القوة والنعومة، وأن يترك جمهور القاعة في حالة إصغاء كامل حتى اللحظة الأخيرة.
وقدّمت منال بو ملهب بصوتها الملوّن والناعم أغنية “وديلي سلام يا حبيبي”(من أغاني هدى حداد)، فدخلت الأغنية إلى القاعة كأنها رسالة محمّلة بالدفء والصدق. امتلكت منال خيوط اللحن بإحساس عالٍ، فاستخدمت نبرتها المرهفة لتعيد إلى الأغنية رقتها الأصلية. صيغ أداؤها بعناية واضحة، وبرز في تنقّلها بين الطبقات مدى تمكّنها وثقتها على المسرح.
وعادت منال لتظهر بشكل آخر تماماً حين أدّت أغنية “صبي ولا بنت”، بصحبة أنس الحاموش(من ألحان رفيق حبيقه للفنان إيلي شويري) الازدواج بينهما خلق مشاكسة موسيقية جميلة، فيها حيوية وتفاعل لطيف، وقدّما الأغنية بحب وعاطفة كبيرة. تألقت منال في جملها، بينما أضاف أنس عمقاً رجولياً متيناً صنع توازناً صوتياً ورشة إحساس محببة.
قدّم أنس الحاموش حضوره المميّز في هذا الديو، مضيفاً نبرة رجولية رصينة تتكامل مع صوت منال الرقيق. استطاع أن يمسك بالإيقاع الداخلي للأغنية بخفة، وأن يقدّم جُمله بارتياح يدل على حس موسيقي ناضج. بدت تفاصيل أدائه محسوبة ولكنها طبيعية، ما جعل الأغنية تخرج للجمهور بروح جديدة.
وظهر الكورال في مجموعة من المقاطع التي شكّلت العمود الفقري الجماعي للحفل، منها “خطرنا على بالك”(طوني حنا). قدّم الكورال هذه الأغنية بعناية صوتية دقيقة وبانسجام لافت بين الأصوات، فبدت الجوقة كأنها جسد واحد ينبض بتراث لبناني صافٍ. أعادوا الأغنية بهيبة تتناغم مع طابعها الشعبي، من دون أن يفقدوا رشاقة أدائها. والجمهور هاج وماج معها طويلاً…
وفي أغنية “دق بواب الناس”، أظهر الكورال قدرة رائعة على التحكم بالهارمونيات، فخلق طبقات صوتية تراكمية تخدم اللحن الأصلي وتزيده قوة. كان أداؤهم مثالاً على الانسجام الجماعي الحرفي الذي يشكّل علامة فارقة. تميّز الصوت الجماعي بالوضوح، وبالتوازن المتقن بين القوة والنعومة. والنغمة الشعبية..
أما في “حداي حدي”(طوني حنا)، فقدّم الكورال الأغنية الشهيرة بروح احتفالية، واستطاعوا نقل الحس البدوي البسيط الذي يميز الأغنية، مع جعلها تبدو أكثر امتلاءً بفضل التوزيع الجماعي. امتلك الكورال قدرة مدهشة على ملء القاعة بطاقة حية دفعت الجمهور إلى التفاعل والتمايل بفرح.
وفي أغنية “ويلي من الحب”، وهي من أعمال سميرة توفيق، استطاع الكورال أن يحافظ على هوية الأغنية البدوية الراقصة، مقدّماً إياها بحيوية متدفقة. نُفّذت الجمل اللحنية برشاقة من دون المبالغة في القوة، ما منح الأغنية هواءً جديداً، وحافظ في الوقت نفسه على أصالتها وروحها التراثية المحبوبة.
وفي أغنية “رفّ الحمام”(سميرة توفيق) التي حملت طابعاً فولكلورياً خالصاً، قدّم الكورال أداءً رشيقاً يجمع بين الرهافة الجماعية والإيقاع الخفيف الذي تحتاجه هذه الأغنية تحديداً. بدت الأصوات متشابكة بتناغم جميل، لتخلق صورة موسيقية ملوّنة تُعيد المستمع مباشرة إلى ساحات الرقص الريفي.
وتابع الكورال بروعة في ختام الأمسية مع “على عين مولايتي وطناش مولايا”(سميرة توفيق) مؤدّين الأغنية بروح متماسكة وبإحساس جماعي بارز. كانت الجمل واضحة وموزونة، وأعاد الأداء إلى الذاكرة نسمات من التراث العراقي الجميل ، وقدّم لحظة ختامية منسجمة مع طابع الاحتفال التراثي. لكنها كانت ختامها مسك،فالأغنية الشهيرة هي لحن عراقي معروف أعاد رفيق حبيقه توزيعه لتغنيه يميرة توفيق، بشكل جعله يخرج الى الضوء ولم يزل متصدراً في كل حفلة غنائية… بل صارت الأغنية الخالدة.
قدّمت هدى جمال أداءً آسراً لأغنية “حباب إنتو حباب”(رجا بدر)، بصوت عذب يميل إلى الحنان، وقدرة على التحكّم التي جعلت الأغنية تنساب بخفة وسلاسة. بدا أداؤها رشيقاً ومشرقاً، مع لمسة أنثوية رقيقة تضيف إلى العمل ألواناً جديدة. أظهرت حضوراً هادئاً ولكن قوي الوقع على الجمهور. وهي الفائزة بجائزة ذهبية من برنامج “ستوديو الفن” الشهير.
وقدّمت جنى الخوري أغنية “دزّتلك محرمة” (داليدا رحمه) بقدرة واسحة على تجسيد الشجن الداخلي للّحن. بدا صوتها مخملياً يحمل طبقات من العاطفة، فدخلت الأغنية إلى آذان المستمعين كاعتراف صادق. كان أداؤها ناضجاً، وتمكّنت من إبراز العبارة الموسيقية كما لو كانت تحكي قصة شخصية تماماً.
وأطلّت شيرين إبراهيم في أغنية “غبنا وجينا” (حنان) بطريقة مرحة وعفوية، تمتلك دفئاً صوتياً محبّباً يجعل حضورها مميزاً منذ اللحظة الأولى. قدمت الأغنية باندفاع جميل، حافظت فيه على نقاء الصوت ووضوح الجملة اللحنية. يلمس المستمع في غنائها روح البساطة، الممزوجة بمهارة صوتية راسخة.
ثم جاء جاد رفيق ليقدّم “موال دلن دلن ” بصوته القوي والواثق، مع إحساس درامي مناسب لطابع الأغنية الشعبي. ويمتلك جاد خامة صوتية قادرة على التنقل بين القوة والدفء، وقدّم العمل بأريحية تُظهر خبرته على المسرح. بدا أداؤه مثقلاً بالعاطفة من دون مبالغة، محققاً توازناً نادراً بين الإحساس والقوّة .
وعاد جاد رفيق في الميدلي الخاص الذي ضمّ مجموعة من الأغنيات التي اشتهرت من ألحان جدّه رفبق حبيقه: “أمرو عيونك”، “شروال جدّك يا جدّي”، “هاتوا خيل”، “دخلك والهوى شمالي”، و“لا تحلفيني بالشنب”. قدّم هذا الميدلي كمن يدخل دهاليز الزمن ويستخرج منها أطيب النغم. تنقّل بين الأغنيات بسلاسة، محافظاً على روح كل عمل، ومظهراً قدرة مذهلة على التلوّن الصوتي والمرونة في الإحساس، حتى بدا كأنه يعيد إحياء المدرسة التي انطلق منها رفيق حبيقة.
هكذا تحوّلت الأمسية إلى أكثر من حفلة تكريم، بل إلى استعادة حيّة لروح الموسيقى اللبنانية في أرقى تجلّياتها. لم يكن الحفل مجرد ذكرى، بل إعلاناً واضحاً أن إرث رفيق حبيقة لا يزال ينبض، وأن أجيالاً جديدة قادرة على حمل هذا التراث إلى المستقبل بثقة واحترام وشغف.
كل هذا كان بتوقيع الدكتور نبيل ناصيف، صاحب البرنامج، وجومانه رفيق حبيقه التي تعبت وتابعت بدقة حتى وصلت الى نتيجة ممتازة وناجحة يستحقها والدها الراحل رفيق حبيقه…



