اخبار الفنرأيمشاهير

شيرين عبد الوهاب.. صوت مصر الأسود!

شيرين.. حين لا يكفي الصوت ليحمي الأسطورة

حسن شرف الدين

منذ مطلع الألفية الجديدة، وتحديدًا منذ أوائل عام 2002، شهدت الساحة الفنية العربية ولادة موجة عارمة من الأصوات الشابة. بعضهم نجح في تثبيت اسمه على خريطة النجومية، وبعضهم الآخر لمع كالشهاب ثم انطفأ سريعًا، وكأن مروره كان عابرًا لا يُترك له أثر. في خضمّ هذا الزخم، بزغ صوت مصري مختلف، قوي، صادق، يحمل خامة نادرة أعادت إلى الأذهان زمن الطرب الحقيقي.

كانت شيرين عبد الوهاب. اكتشفها المنتج نصر محروس، وقدّمها للجمهور بأغنية “آه يا ليل”، لتعلن منذ لحظتها الأولى أنها ليست تجربة عابرة. الأغنية، ومن بعدها الثنائية الشهيرة مع تامر حسني، سيطرت على ذائقة جمهور بداية الألفينات، ورافقت جيلاً كاملًا في لحظاته العاطفية الأولى، أفراحه وانكساراته.

نجاح تلو الآخر، وألبوم بعد ألبوم، استطاعت شيرين أن تحجز مكانها في وجدان المستمع العربي. لم تكن مجرد صوت جميل، بل إحساسًا قريبًا، وصوتًا يشبه الناس، حتى أصبحت أغانيها جزءًا من الذاكرة الجماعية، تُستدعى مع كل ذكرى، وتُستمع وكأنها كُتبت لكل فرد على حدة.

لكن، وعلى الرغم من هذا الرصيد الفني الضخم، بدا أن الصوت وحده لم يكن كافيًا. فشيرين، ومع مرور السنوات، تحوّلت من فنانة يُحتفى بصوتها، إلى شخصية مثيرة للجدل بشكل دائم؛ جدلٌ لا يرتبط بالإبداع بقدر ما يرتبط بالأزمات. خلافات علنية مع نجوم الصف الأول، من عمرو دياب إلى أصالة نصري، وصولًا إلى أنغام، فضلًا عن الجدل الواسع حول لقب “صوت مصر”، وهو اللقب الذي ارتبط تاريخيًا بالفنانة الراحلة شادية، بعد أدائها الخالد لأغنية “يا حبيبتي يا مصر”، تلك الأغنية التي أعادت شحن الروح الوطنية في وجدان المصريين بعد نكسة 1967.

اللافت أن شيرين لم تكن بحاجة إلى هذه المعارك لتأكيد موهبتها. تاريخها الفني وحده كان كفيلًا بمنحها مكانة رفيعة. إلا أن الانتقال المستمر من أزمة إلى أخرى، جعل حياتها الشخصية مادة يومية للرأي العام، حتى باتت تفاصيلها تُتداول خلف أبواب كل بيت عربي؛ من أزماتها العاطفية، إلى مشاكلها الزوجية، وصولًا إلى قضايا أخطر طالت سمعتها وصورتها العامة.
ومع تراكم هذه الأزمات، بدأ السؤال يفرض نفسه بقوة: هل يمكن لفنان، مهما بلغ صوته من عظمة، أن يحتفظ بلقب وطني بحجم “صوت مصر”، فيما صورته العامة تتآكل يومًا بعد يوم؟ وهل اللقب يُمنح للصوت فقط، أم للمسار، والالتزام، والمسؤولية أمام جمهور يرى في الفنان قدوة، أو على الأقل رمزًا؟

ربما لم تكن صرخة الإعلامي عمرو أديب “إلحقوا شيرين” مجرد جملة عابرة، بل توصيفًا دقيقًا لحالة فنانة تقف على حافة خسارة تاريخ صنعته بجهد 24 عامًا. وكأنها استغاثة أخيرة لإنقاذ ما تبقّى من أسطورة، قبل أن تلتهمها أفعال متسرعة لا تليق بفنانة في قمة تجربتها، بل حتى لا تُغتفر لفنان في بداياته.
اليوم، لم تعد المشكلة في شيرين الصوت، بل في شيرين القرار. فالموهبة ما زالت حاضرة، والإحساس لم يفقد صدقه، لكن غياب الإدارة الواعية، والدعم النفسي الحقيقي، والشخص المسؤول القادر على ضبط إيقاع حياتها الفنية والإعلامية، يجعل كل إنجاز مهددًا بالانهيار.

شيرين لا تحتاج إلى أغنية ناجحة جديدة بقدر ما تحتاج إلى إعادة بناء صورتها، واستعادة احترامها لنفسها أولًا، ثم لجمهورها. فالتاريخ الفني لا يُمحى بسهولة، لكنه قد يُشوَّه، والفرق بين الأسطورة والفنان العابر، لا تصنعه الحنجرة وحدها، بل الحكمة في إدارة المجد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى