اخبار الفنكتب جمال فيَاض

صولا … عندما لا تسهر في الشام تغنّي في بيروت!!

كتب جمال فياض

أكاد أؤكد أن في صوت أصالة قوة وقدرة تكفي لإحياء مهرجان كامل لعشرة أيام متواصلة … ولا تتعب!
ما شاء الله، والله أكبر، على هذه الرغبة في الغناء والسلطنة؛ فعلى مدى ثلاث ساعات، تعب الموسيقيون ولم تتعب، ولم يهن عليها أن تترك أغنية من أغانيها القديمة أو الجديدة إلا وغنّتها. وليس غناءً عادياً، ولا ضمن حدود ما كتبه الشعراء أو لحّنه الملحنون، بل هي تضيف الزخرفات والآهات والنغمات والقفلات، حتى تحسبها “ترنّدح” أغانيها وتسلطن عليها دون أن تشعر بوجود جمهور ومستمعين وجيش من الزاحفين إلى حيث ضربت لهم موعداً، جاء بعد ما يقارب ثلاثة عقود… أفف! أهكذا مضى بنا الزمن مسرعاً، وعبرت بنا الأيام؟ ثلاثون عاماً ونحن نعتقد أن أصالة أتت إلينا خلالها عشرات المرات؟

هذه المرة، تطلّ أصالة ونحن نراها مشتاقة تسعى إلى مشتاق…
فلا الجمهور يحتمل الدقائق المتبقية للقاء حبيبته، ولا هي عادت تحتمل المسافة بين غرفتها في الكواليس ومايكروفونها على المسرح…

قبل أن أصعد إلى المسرح لتقديمها، سألت المخرج طوني قهوجي: كم من الوقت تريدني أن أتكلم على المسرح؟ قال ثلاث دقائق… قلت لا بأس. لكن شوق أصالة للدخول إلى ساحتها كان يوحي بأن صبرها قد نفد، وهي في حالة شغف زائد… تراجع قليلاً بأغنية “أنا اللي عليكِ مشتاق” لزياد الرحباني، مع قائد الفرقة الموسيقية القادمة من القاهرة، المايسترو مصطفى حلمي… وأكتشف أنه ابن الموسيقار الراحل حلمي أمين (الملحن ونقيب الموسيقيين السابق في مصر)، وشقيق الشاعر المصري الراحل عبد السلام أمين، وشقيق السيدة “أم أمين” زوجة الموسيقار محمد الموجي. وبالمناسبة أيضاً، حلمي أمين هو صاحب لحن الأغنية الشهيرة للراحل كارم محمود “عنابي يا خدود الحليوه”، وأغنية الراحل عادل مأمون “عاشت الأسامي، يللي اسمك إنت إنت على لساني”.

أقدّم صولا، فتصفق الأكف وتعلو الهتافات… تخيّلوا سبعة آلاف شخص يهتفون باسم صولا! وتخيّلوا كيف استقبلتها هذه الآلاف…
كادت النجمة، التي اعتادت على مثل هذه الأعداد، تبكي من رهبة الفرح! نعم، للفرح رهبته؛ ترتجف، ثم تتماسك وتتحدى الموقف، موزّعة القبلات على هذا وتلك، محدِّدة بإشاراتها وجهة نظراتها، تكاد تحصي الحاضرين فرداً فرداً…

لا تحتاج أصالة إلى مرحلة “التسخين” التي نعرفها عن المطربين، بل تنطلق مباشرة بأغنيتها اللبنانية الشهيرة التي كتبتها سهام الشعشاع ولحنها جان ماري رياشي “يسمحولي الكلّ”. ولست أدري لماذا خطرت ببالي لحظة خبث طريفة: تصوّرت أنها تقصد بهذه الأغنية أنها تقول للجميع: لما صولا تطلّ … يسمحولي الكلّ!

فوراً إلى السلطنة، إلى الغناء السهل والصعب، العالي والمنخفض، الرومانسي والإيقاعي… تتخللها تحية لفهد بلان، الفنان السوري الراحل ونجم عصره وصديق والدها الفنان مصطفى نصري رحمهما الله، فتغنّي “واشرح لها عن حالاتي”. ثم توجه تحية للراحل زياد الرحباني فتغني أغنية جوزيف صقر “أنا اللي عليكِ مشتاق”، وتجنّ الفرقة والكورال والجمهور. والفرقة الموسيقية ثابتة على الأداء الدقيق وكأنها في استوديو، بينما يترك المايسترو للأساتذة من العازفين أن يقدّموا صولوهات الإبداع الجميل: يتناغم الغيتار مع الكمان، ثم ناي علي المذبوح (اللبناني الوحيد في الفرقة) مع العود، وصولاً إلى الساكسوفون… كلهم أساتذة من الطراز الرفيع، يقودهم مايسترو قدير.

ثلاث ساعات غنّت، وأطربت، وسلطنت، حتى بدأ الجمهور يقترب منها ومن مسرحها من شدّة الانفعال، فختمت حفلها وكأنها تتمنى لو استمرت لساعات إضافية…

بعد الحفل، تدخل الكواليس وتلتقط الصور مع الصحفيين والمعجبين وتحدّث هذا وذاك. أسألها: كنتِ مثل طائر يحلق في سماء بلا وعي. وأضيف: أنا اليوم أحبك كثيراً…
فتضحك وتقول بثقتها المعتادة: “أنا ما قلتلك من الأول؟ طبعاً بدك تحبني… وبدك تجنّ فيني كمان!”

هذه ليلة من العمر، انتظرها جمهورها بعد ثلاثة أجيال… بعد سبعة وعشرين عاماً عادت إليهم هذه الجميلة الصوت، وفي جعبتها عشرات الأغاني الناجحة، فتغنيها معهم، ويطربونها كما أطربتهم…

صولا، هذه الجميلة صوتاً وشخصية، يشفع لها هذا التفرّد بكل شيء… حتى بما قد يغضبك منها.

وتبقى التحية من القلب للمنتجين حسين كسيرة وطارق علّيق، على قدرتهما في تنظيم مثل هذا الحدث الضخم، وعلى استيعابهما واحتوائهما كل ما يمكن أن يعكّر صفو هذا الحفل الكبير…

إلى اللقاء صولا … قريباً، مرة أخرى في بيروت!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى