اخبار الفنكتب جمال فيَاض

أنجو ويحي … متوازيان التقيا فلا حول ولا قوّة إلا بالله

كتب جمال فياض

مساء الأحد ٦ نيسان (إبريل) ٢٠٢٥ ، وعلى مسرح كازينو لبنان، قدمت الفنانة اللبنانية أنجو ريحان، عرضاً مسرحياً منفرداً كتبه وأخرجه يحي جابر …
هذا خبر غير مكتمل العناصر، فقد ذُكر فيه ال”من” وال”متى” وال “أين” … وبقي أن نعرف ال”كيف” وال”لماذا”… وتلك هي المسألة ، كيف ولماذا؟
كيف قدم هذا الثنائي عملاً لشخصين،واحد منهما خلف الكواليس وخلف ستارة المسرح، وواحدة على المسرح ملأت وحدها خشبته، ضجيجاً وحركة وفرحاً وحزناً وضحكاً ودمعاً ووجعاً وراحة وتعباً وحكايات وذكريات وروايات وآهات .. ودمعات!
نعم، دمعات… لم تتركنا أنجو وشأننا، يأبى لنا يحي وأنجو تركنا نشاهد عرضهما التأريخي هذا، دون أن يستجديا دمعة من هنا مقابل كل ضحكة من هناك. عرف الجمهور اللبناني هذه الفنانة اللطيفة، بأدوار تلفزيونية “خفيفة نضيفه”. وكانت تطلّ في بعض “السكتشات” الكوميدية، تضحكنا وربما مع فريق البرنامج كانت تضحك علينا… وما همّ يا أمّ أن يُضحكونا؟ أليس الضحك رسالة هامة لمشاهدين يجتروا الأحزان والمرارات كما يتعاقب الليل والنهار علينا؟ فلتكن ضحكة وكوميديا. ثم “يشرّف” السيد يحي جابر آل صفا، فيقف في ساحتنا، ويفرد العدّة، عدّة السحر وألعاب الخفّة، فتزعق صفاراته وزماميره في الآذان… إنتبااااه ، جاء معذّبكم في غيهب الغسقِ، ومعه الكوكب الدرّي في الأُفُقِ … يحي جابر، يقدم لكم بكلّ فخر نجمة المسارح أنجو ريحان!
وعرفنا أنه لا بد سيعدنا بوعود كما وعود العاصفة، بنبيذ وضحكات جديدة، وربما بأقواس قُزح !! وبعض الكوميديا، يعني أنجو ريحان ماذا ستقدّم غير بعض الكوميديا؟
سنذهب …”شو منلبس”؟ لا لا، هو إسم المسرحية من بطولة أنجو، يشاركها البطولة منديل، وستارة بيضاء، وعلّاقة ملابس .. ودرجتان خشبيتان … وربما لمبة، ومكبّر صوت … إنه صوت أم كلثوم !!
سأعترف لأنجو بأنها كنز وأنها أجمل ما شاهدت من لوحات … هذه ليست كلمات، هذه أفعال وحقيقة وانطباعات. منذ كم سنة لم يمسكني شخص من رموشي ويسلبني كل ما بداخلي ويجمّد بصري وعقلي عليه وهو يقف على مسرح… المفروض أنه يمثّل !
لم تكن تمثل، لا والله ما هو بتمثيل ولا تشخيص ولا فن ولا تفنّن … هو مشهد، روت لنا فيه طفولتها، ذاكرتها، يومياتها، حكاياتها، طموحاتها، وانكساراتها ومعاناتها، وانهياراتها …
سيكون ممتعاً وموجعاً في آن، أن تحكي لك عن الأماكن التي تعرفها، التي عشت فيها، عن النبطيه، ومدرسة الراهبات،والشهيد الدكتور الإنسان حكمت الأمين، وعن شهادته في غارة إسرائيلية وكيف بكاه أهل النبطية بالدمع والدمّ .. عن الحزب الشيوعي، الذي كنا نعرف ناسه وجمهوره وشائعة”إلحاده” وعداوة أهل القضية الوطنية معه، باعتبار أنه “لا يعرف أصول النضال الصحيحة”..
يكتب يحي جابر في كل مرة نصّاً، من قلب الأحياء الضيّقة، لا أعرف كيف يدخل هذه الزواريب ومتى دخلها. لا أعرف من أين يأتي بهذه “الرادارات” اللاقطة بالجملة، فتلتقط له كل شيء ولا تهمل له ولو تفصيلة بحجم ذرّة، فينقلها الى المسرح بدقة وقرب، حتى تحسب أنه كان رفيق طفولتك وأنت الذي لم تره في حينه…
ولا أعرف كيف يُخرج يحي جابر من ممثليه، خلاصة خلاصتهم، وعصارة عصارتهم، فهو فعلها قبل مع أحمد الزين ومع طارق تميم ومع زياد عيتاني ومع عباس جعفر وكُثُر غيرهم … يكفي أن يضع يحي كفّه على رأس ممثل، مهما كان حجمه ووضعه وموهبته، ليحوّله الى مشهد إبداع ما عرفه فيه أحد من قبل. يكفي أن يقف الممثل وبيده خرقة وخشبة أو منديل وعصا ليصبح المسرح مليئاً بالديكورات المكمّلة للمسرحية، ومليئاً بالممثلين الذين نراهم في ممثل واحد …
هكذا، كانت أنجو ريحان على مسرحها في “شو منلبس” ، كانت الأب والأم والأخت والطفلة والشابة، وقائدة الفرقة الكشفية، ومعلمة المدرسة والراهبة وأستاذة الدين …والجندي الإسرائيلي ومندوبة الصليب الأحمر الدولي، بل حتى مطلق النار على أبيها والقرية كلها وأهل القرية … والجنوب كله من “النهر” الى أنصار وكفرصير والنبطية والرميله والشيّاح وكل مكان… ما هذا؟ كم ستتحمّل هذه الخشبة من الممثلين؟ ربما لكثرة الممثلين، لجأ يحي ليقدم مسرحيته على أكبر مسرح في لبنان… في كازينو لبنان!
مفارقة، أليست كذلك؟ على مسافة خطوتين، وخلف جدار المسرح، يجلس مئات المقامرين من مختلف أنواع الأثرياء والبرجوازيين، وفي الخارج تقف سياراتهم الفارهة. نحن هنا نتحدث عن الشيوعية والنضال والمقاومة والحزب والحركة والإحتلال ومعتقل أنصار واغتيال المناضلين وغارات العدو الإسرائيلي… نحن هنا نذرف دمعة على وجع النازحين، وخلف جدار يجلس المستمتعون بدحرجة كرة الروليت ليخسروا أموالهم، وهم يتوهمون أن الربح آتٍ لا ريب فيه!
لو كتبت أطروحة من ألف صفحة، ما مللت من الكتابة … تماماً كما لو طالت وقفة أنجو لأيام على مسرح يحي جابر، ما مللت من المشاهدة!
من لم يشاهد “شو منلبس” .. سيندم كثيراً!!
يا ناس يا هووووو ،
يحي جابر وأنجو ريحان، خطان متوازيان متآخيان مترافقان … التقيا، فلا حول ولا قوة إلا بالله!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى