نساء يعبرن بهدوء: مريم الدرّ في مختبر القصّة القصيرة

خاص – أضواء المدينة
عن دار الفارابي، صدرت حديثًا مجموعة قصصية جديدة للكاتبة اللبنانية مريم الدرّ بعنوان “هذا الرجل النائم بقربي”، وهي المجموعة الثانية لها بعد “خيط بنفسجي” (2018). تسع حكايات متنوّعة تكتبها الكاتبة بنبرة سردية رصينة، حافلة بالانفعالات المكبوتة، ومشحونة بما يكفي من التوتر الداخلي لجعل كل قصة عالماً قائماً بذاته، مكتمل البناء ومفتوح النهايات.
في “هذا الرجل النائم بقربي”، لا تتحدّث مريم الدرّ عن النساء من منبرٍ عالٍ، ولا تُشهر مقولات جاهزة عن المظلومية أو الانكسار. بل تقدّم شخوصًا أنثوية متباينة، فيها القوة والضعف، الوعي واللاوعي، الذكاء والانفعال، من دون أن تمنح إحداهنّ الأفضلية الأخلاقية على الأخرى. تكتب النساء كما هنّ، بلا تجميل ولا تشويه.
قوة المجموعة تكمن في جرأتها الهادئة، تلك الجرأة التي لا تبحث عن صدمة ولا تتكئ على الوقاحة، بل تشتغل على التفاصيل الصغيرة في العلاقات: امرأة تراقب زوجها النائم بتوجس، وأخرى تهرب من ظلّ امرأة أخرى طالما سبقتها، وثالثة تكتشف فجأة هشاشتها أمام حبّ قديم. ومن خلف هذه الحكايات، تطرح الكاتبة أسئلتها عن المجتمع، واللغة، والسلطة، والانتماء، من دون أن تثقل النصوص بالشعارات.
من اللافت في هذه المجموعة أن الكاتبة لا تنحاز دائمًا لشخصياتها، بل تتركها تُخطئ وتتعثّر وتبرّر لنفسها، وتمنح القارئ فرصة الحكم أو الغفران. وهنا يتجلّى نضجها ككاتبة، إذ لا تسحب القارئ نحو نهاية واحدة، بل تفتح له أبوابًا متعددة للفهم أو التأويل.
اللغة التي كتبت بها القصص تنتمي إلى المدرسة الحديثة في القصة القصيرة: جمل قصيرة، مكثّفة، مليئة بالحركة الداخلية، متقشفة في الحوار، وغنية في التوصيف النفسي. لا تزخرف مريم الدرّ عباراتها، لكنها تشحنها بإيقاع ناعم يُشبه نبض القلب حين يتعرّض للخذلان.
“هذا الرجل النائم بقربي” ليست مجرد مجموعة عن النساء، بل هي كتاب عن هشاشة البشر حين يواجهون الحياة بأقنعة منهكة. إنه عمل يليق بالزمن الذي كُتب فيه، حيث الواقع أكثر تعقيدًا من أن يُختصر في خطاب أو شعار.
بهذه المجموعة، تُثبت مريم الدرّ أنها ليست فقط كاتبة تمتلك أدواتها، بل أيضًا مؤلفة تعرف متى تتراجع وتمنح شخصياتها كامل الضوء. إنها تكتب لتكشف، لا لتُحاكم.
⸻
مقتطف من المجموعة:
«كنت أراقبه وهو نائم، لا كمن تحرس حبيبًا، بل كمن يراقب شخصًا غريبًا اقتحم فراشها صدفة. لم أكن أكرهه، لكنني لم أعد أعرف لماذا أتحمّله. هل هو الخوف؟ العادة؟ أم لأنني لا أملك شجاعة الفراغ؟»
(من قصة “هذا الرجل النائم بقربي”)
⸻
بطاقة تعريف الكتاب:
العنوان: هذا الرجل النائم بقربي
الكاتبة: مريم الدرّ
النوع: مجموعة قصص قصيرة
الناشر: دار الفارابي – بيروت
سنة النشر: 2024
عدد القصص: 9
الغلاف: تصميم بسيط يحمل رمزية العلاقة والصمت
⸻
عن الكاتبة:
مريم الدرّ، كاتبة لبنانية تنتمي إلى جيلٍ جديد من السرد النسائي الذي يوازن بين البوح الشخصي والوعي الاجتماعي. أصدرت عملها الأول “خيط بنفسجي” عام 2018، ولاقت فيه إشادة لأسلوبها الحسي والواقعي. في عملها الجديد، تعزّز حضورها كصوت قصصي مختلف، لا يتورّط في التقريرية ولا ينجرف نحو التجريب المجّاني. تهتم الدرّ بالقصة القصيرة بوصفها فنًّا مستقلًا، وتُعرف بكتابتها التي تنحت الشخصيات من الداخل، وتُسلّط الضوء على مناطق الظلّ في النفس البشرية



