اخبار الفنكتب جمال فيَاض

علي إتحاد … جايب كل شي معو !!

كتب جمال فياض

كانت لفتة ودودة من الفنان علي اتحاد أن وجّه لي دعوة لمشاهدة مسرحيته الأولى “أخد معه كل شي”. وبالفعل، لبيت الدعوة وقطعت تذكرتي في وسط الصالة لأشاهد العمل بكل مساحة البصر من يمين المسرح إلى يساره. فالعمل هو أول أعمال الكوميدي الشاب ورفيقه علي الثاني علي بليبل … أعرف علي الأول من كوميدياته التي ينشرها على التواصل، أضحك على أغلبها، وأستظرف أغلبها، لكني أجد بعضها غير مضبوط الحبكة الكوميدية، فأقول لنفسي، إنها لحظة الولادة الكوميدية لهذا الشاب “المشروع كوميدي” ولا بد من التجربة والخطأ. يعتقد علي الذي ما رأيته ولا التقيته شخصياً قبل هذا العرض… وأثمّن طحشته عليّ لأشاهد عمله الأول، وأشهد على ولادته الجديدة والجدّية في عالم الكوميديا. فكل ما قدّمه علي من قبل كان مجرّد مزاح وهرج ومرج، واليوم وضع نفسه في ميزان الاختبار، وتحت عين الرقابة…
كيف وما معنى هذا؟
سأقول لكم بلا مراوغة ولا مجاملة. كان علي اتحاد يقدّم بعض قفشاته الكوميدية الضاحكة على منصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي، يعني تجربة هواة ظريفة. وكنا نأخذها بعين السخرية ونضحك.. لكنه عندما قرّر تقديم نفسه على مسرح وأمام جمهور، انطلقت الحكاية…
انطلقت الحكاية من فكرة – لا يمكن أن تكون بالصدفة – مأخوذة، أو لنقل مستوحاة، من رواية توفيق الحكيم “طريد الفردوس” التي قدّمها للسينما المخرج فطين عبد الوهاب عام ١٩٦٥ من بطولة فريد شوقي. فقد توفي الشيخ عليش وصعد إلى ملكوت السماوات وهناك لم يجدوا اسمه لا في بيانات الجنة ولا بيانات النار. فهو بلا حسنات تدخله الجنة، ولا سيئات تدخله النار… وكان القرار بإعادته إلى الحياة، ليكمل مشواره، أي يُعاد امتحانه مرة أخرى.
علي اتحاد أخذ الحكاية باختصار شديد، وحوّل المشهد إلى كوميديا خالصة وكاملة المواصفات، فكتب نصّاً فيه لطشات وقفشات ومواقف وضحكات، وحوّل مأساة الرحيل إلى مشهد كوميدي خالص… وتبيّن لنا بالعين المجرّدة كما تحت المجهر، أن علي بل العليين مشروع كوميديا جديدة فتحت الباب ودخلت. وأنهما سيكونان في الصدارة بأسرع مما نتوقع. لقد درس اتحاد التمثيل على أصوله، وقدّم لنا عيّنة بسيطة من كوميديته الجديدة، وبدون إسفاف ولا سرقة الضحكة ولو بالمخجلات المسرحية، وهذه تُحسب له، لأنه سخر وتنمّر وضحك ولم يترك لنا لومة نلقيها عليه. وإذا كان النص مجرد مشاهد كوميدية بلا “فزلكات”، فهو بلا شك تجربة، أو لنقل عيّنة بسيطة وسريعة عمّا في “جرابه” من مواهب، لم يُظهرها كلها في “اسكتشاته التواصلية”. فهو هناك كان يضحك علينا ويسلّينا، وهنا هو يضحكنا ويبهرنا ويفاجئنا بأنه مخزون جديد لا يقلّد ولا يستحضر أي كوميدي أو مدرسة كوميدية.
الديكور جميل وفيه لمسات موهبة واضحة، المؤثرات أيضاً ملفتة، والنص لطيف وخفيف وظريف، لكنه قصير. كان ينقصه فقط مشهد الكوميديا العالي بين البطلين، مشهد “الماستر” الذي انتظرناه وما جاء… وهو كان يظهر ويبان بين مكان وآخر، ولا أعرف من الذي انتزع منه الأمان… فاختبأ خجلاً، أو خوفاً، أو وجلاً. كان يجب أن يظهر هذا المشهد “الناقص”.
كان الأخوان عاصي ومنصور رحباني، إذا أنجزا مسرحية، يوجهان الدعوة للنقاد والصحفيين بعد عدة عروض، لأنهما يكونان قد اكتشفا فيها كل النواقص والثغرات، فيحضر الأصدقاء في العروض الأولى، ويبدأون “بالتنظير”، فيأخذ الرحبانيان منهم الزبدة، “ويزبّطان” العمل، ثم يوجهان الدعوة لمن يجب أن يرى ويكتب وينتقد…
في “أخد معو كل شي” التي كتبها وأخرجها علي اتحاد، نواة مسرح كوميدي جديد وجميل، ويستحق الانتباه والتدقيق والنقد كما التشجيع..
هناك مسرح شعبي يولد في زوايا مسارح المدينة، لكنها ولادات تتعسّر ربما لأن الرعاية الكاملة غير كافية أو متوفرة. سأعتبر علي اتحاد كوميديان التحدي والشجاعة، وعليه أصرّ عليه أن يعمل ويجتهد ليحفر مكانه في ساحة واسعة، سيكون من يحتل شبراً منها بطل الأبطال… فليفعلها العليّان اتحاد وبليبل ونحن معهما…
تحظى هذه المسرحية بعلامة لا بأس بها، وهي علامة “جيّد”. ففي البداية، وبهذه الإمكانيات المحدودة، هذا إنجاز جميل…
هلمّوا إلى مسرح “دوّار الشمس”، فهناك ضحك وظرف في زمن صار الضحك الراقي فيه غالياً… واشهدوا ولادة نجومية كوميدية قادمة…IMG_8487

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى